رفيق العجم
316
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
الشمس على الأرض ، ونور السراج على الحائط والثوب ، وتارة يطلق على نفس هذه الأجسام المشرقة أيضا لأنها في أنفسها مستنيرة . وعلى الجملة فالنور عبارة عما يبصر بنفسه ويبصر به غيره كالشمس ، هذا حده وحقيقته بالوضع الأول . دقيقة لما كان سرّ النور وروحه هو الظهور للإدراك وكان الإدراك موقوفا على وجود النور وعلى وجود العين الباصرة أيضا ، إذ النور هو الظاهر المظهر وليس شيء من الأنوار ظاهرا في حق العميان ولا مظهرا فقد ساوى الروح الباصرة النور الظاهر في كونه ركنا لا بدّ منه للإدراك ثم ترجّح عليه في أن الروح الباصرة هي المدركة وبها الإدراك . وأما النور فليس بمدرك ولا به إدراك بل عنده الإدراك وكأن اسم النور بالنور أحقّ منه بالنور المبصر فأطلقوا اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش إن نور عينه ضعيف . وفي الأعمش أنه ضعيف نور البصر ، وفي الأعمى أنه فقد نور بصره ، وفي السواد أنه يجمع نور البصر ويقوّيه ، والأجفان إنما خصّتها الحكمة الإلهية بلون السواد وجعل العين محفوفة بها لتجمع ضوء العين . وأما البياض فيفرّق نور العين فيضعف نوره حتى إن إدامة النظر إلى البياض المشرق بل إلى نور الشمس يبهر نور العين ويمحقه كما يمحق الضعيف في جنب القوي ، فقد عرفت بهذا أن الروح الباصرة يسمّى نورا وأنه لم كان بهذا الاسم أولى وهذا هو ( النور ) . الوضع الثاني وهو وضع الخواص . حقيقة إعلم أن نور البصر موسوم بأنواع من النقصان فإنه يبصر غيره ولا يبصر نفسه ولا يبصر ما بعد منه ولا ما قرب ولا يبصر ما هو وراء حجاب ، ويبصر من الأشياء ظاهرها دون باطنها ، ويبصر من الموجودات بعضها دون كلها ويبصر أشياء متناهية ولا يبصر ما لا نهاية له ، ويغلط كثيرا في إبصاره فيرى الكبير صغيرا ويرى البعيد قريبا والساكن متحرّكا والمتحرّك ساكنا ، فهذه سبع نقائص لا تفارق العين الظاهرة ، فإن كان في الأعين عين منزّه عن هذه النقائص كلها فليست شعري هل هو أولى باسم النور . فعلم أن في قلب الإنسان عينا هذه صفة كمالها وهي التي يعبّر عنها تارة بالعقل وتارة بالروح وتارة بالنفس الإنساني : دع عنك هذه العبارات فإنها إذا كثرت أو همّت عند الضعيف البصيرة كثرة المعاني فنعني به المعنى الذي يتميّز به العاقل عن الطفل الرضيع وعن البهيمة وعن المجنون ولنسمّه عقلا متابعة للجمهور في الاصطلاح فنقول : العقل أولى بأن يسمّى نورا من العين الظاهرة لرفعة قدره عن النقائص السبع : " أما الأولى " فهو أن العين لا تبصر نفسها والعقل يدرك غيره ويدرك نفسه ويدرك صفات نفسه ، إذ يدرك نفسه عالما وقادرا ويدرك علم نفسه ويدرك علمه بعلمه بنفسه وعلمه بعلمه بعلمه نفسه إلى غير نهاية . وهذه خاصة لا تتصوّر لما يدرك بآلة الأجسام ووراءه سر يطول شرحه . " الثانية " أن العين لا تبصر ما قرب منها