رفيق العجم

مقدمة 32

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

الحوادث عن القديم فإقرارهم بعيد عن مذهب أرسطو النقي . وعندما هاجم الغزالي موقف الفلاسفة ، هاجمهم في مقولتهم بصدور الحوادث عن القديم . * أما حجّة الفلاسفة في القدم فمفادها : أن اللّه يتقدّم على العالم ، فإما أن يتقدّم عليه بالذات كتقدّم العلّة على المعلول ، وإما أن يتقدّم عليه بالزمان . والتقدّم بالذات يقتضي أن يكون اللّه والعالم إما قديمين وإما حادثين . لكن الأول قديم فالعالم قديم . والتقدّم بالزمان يقتضي أن يوجد قبل وجود العالم والزمان زمان ، كان العالم فيه معدوما ، وهذا متناقض . فوجب أن يكون الزمان قديما ، والزمان عبارة عن مقدار الحركة . فالعالم والحركة والزمان متلازمة وقديمة . * ردّ الغزالي : إن الزمان حادث ومخلوق فلا زمان قبله أصلا . وأن اللّه كان من غير عالم ، ثم كان ومعه العالم . ولا زمان قبل الزمان لأن هذا من عمل الوهم . ثم إن اللّه قادر أن يزيد في أبعاد العالم مقدارا ما إلى ما شاء . وقد ردّ ابن رشد فيما بعد على الغزالي فأقرّه على مقدار المكان ، وأنه شيء محصّل تستحيل الزيادة فيه . أما الزمان فهو « شيء يدركه الذهن من الامتداد المقدّر للحركة » « 1 » ووجوده ذهني موضوعيته تتمثّل في الحركة ، مما لا يمنع امتداده إلى اللا نهاية . ثم إن اللّه يباين العالم فلا نسبة بينهما ولا يوجد جلّ جلاله في الزمان . وبالتالي تسقط المقدّمتان : التقدّم بالذات والتقدّم بالزمان . لأن مفهوميهما ومفهوم اللّه ليسا من جنس واحد . فتقدّم غير المتغيّر والذي ليس بزمان يختلف عن الموجود المتغيّر الذي هو بزمان . وهو نوع آخر من التقدّم . ج - مسألة قدم المادة : * إعتبر الفلاسفة كل حادث تسبقه المادة ، والحدوث ليس إلا تعاقب صور على المادة . فالعالم قبل حدوثه كان ممكنا ولم يكن ممتنعا ، لأن الممتنع لا يحدث أبدا . ولا يمكن أن يكون العالم واجبا ، لأن الواجب بذاته لا ينعدم . فالعالم ممكن ، والإمكان صفة إضافية لا قوام لها بنفسها ، بل بالمحل الذي تضاف إليه أو تحلّ فيه وهو المادة . والمادة لا يمكن أن يكون لها مادة ، منعا من الوقوع بالدور . فالمادة الأولى قديمة . * ردّ الغزالي : العالم لم يزل ممكن الحدوث ، لكن ذلك لا يلزم أنه موجود أبدا ، فالقديم ليس ممكن الوجود بل واجب الوجود . فالممكن يحدث في أي وقت . والإمكان قضاء العقل وليس موضوعا يقوم فيه الإمكان . والممتنع والممكن والواجب أحكام عقلية ليست بحاجة إلى محل .

--> ( 1 ) ابن رشد ، تهافت التهافت ، تحقيق بويج ، بيروت ، الكاثوليكية ، 1950 ، ص 89 .