رفيق العجم
مقدمة 29
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
عبر السريان المشرقيين أو الساميين . فهي في بنيتها الأم من عطاءات ذهنية أجنبية عن العرب والمسلمين . لكن ذلك لا يعني عدم إمكانية تأثيرها في ذهنيات أخرى ، إذ تبقى نتاجا إنسانيّا يمكن أن يساهم فيه كل الناس والأجناس والأقوام . قيل إن أول من تفلست هو أبو إسحاق الكندي المتوفّى 256 ه ، وقد ترك آثارا فكرية ومؤلّفات عدّة ، غلب على جزء كبير منها الطابع الكلامي بشكل واضح . لذا يعتبر الفارابي أول من أسّس فلسفة متكاملة بعيدة عن علم الكلام مستقلّة المعالجة . ولا عجب إن وصف بالمعلم الثاني . إن الفكر الفلسفي اليوناني المنقول إلى العربية عندما تمّ تبنّيه داخل الثقافة العربية ، عقب عصر التدوين ، انطبع بالعربية وتأثّر بسماتها وبنيتها . وظهر ذلك جليّا من خلال المصطلحات عند النقلة ، والألفاظ والمعاني لدى الكندي ثم الفارابي . فكان اللسان العربي عامل التوسّط بين الفهم اليوناني والفهم الإسلامي للوجود . هكذا انصبغ الفكر اليوناني ببعض المعاني الإسلامية وتحوّل في تصوّراته والمفاهيم . وعلى الرغم من أن هذا الفكر وصل إلى الفارابي عبر الشرّاح والسريانية والنقلة العرب مشوبا مختلطا ، فوقع فيه بعض التلفيق وشيء من التوفيق بين أفلاطون وأرسطو ، إلا أنه بقي متميّزا عن مسلك علم الكلام الإسلامي في مصادراته ومناهجه . وها هو الفارابي يصرّح بذلك وبوعي تام قائلا : « النقلة هو أن نعلم بالحسّ أن أمرا ما بحال ما وأن شيئا موجود لأمر ما . فينقل الذهن تلك الحال أو الشيء من ذلك الأمر إلى أمر آخر . . . وذلك أن يتشابه الحيوان والسماء بأمر يصحّ الحكم بالحدوث على جميع ذلك الأمر . . . فلا تكون النقلة في الحقيقة صحيحة ، ولكن يظنّ بها أنها في الظاهر صحيحة » « 1 » . كان هذا تمايزا عن نهج قياس الغائب على الشاهد إن لم نقل تصدّيا له . ولا سيّما استخدام عبارة « لا تكون النقلة صحيحة » . استعمل المعلّم الثاني نظرية الفيض عبر العقول ، فولّف بين الخلق الإلهي الإسلامي واعتماد العقل والسببية في ترتيب الموجودات وفعلها ، قال : « فاللّه عزّ وجلّ يوحي إليه - إلى الإنسان - بتوسّط العقل الفعّال ، فيكون ما يفيض من اللّه تبارك وتعالى إلى العقل الفعّال يفيضه العقل الفعّال إلى عقله المنفعل ، بتوسّط العقل المستفاد ، ثم إلى قوّته المتخيّلة . فيكون بما يفيض منه إلى عقله المنفعل حكيما فيلسوفا ومتعقّلا على التمام . . . وهذا الإنسان هو في أكمل المراتب الإنسانية ، وفي أعلى درجات السعادة » « 2 » . وهكذا نرى أن السعادة ترتبط بالمعرفة العقلية فقط ، واللامتناهي يرتبط بالمتناهي عبر الحدّ
--> ( 1 ) الفارابي ، المنطق عند الفارابي ، ج 2 ، تحقيق رفيق العجم ، بيروت ، دار المشرق ، 1986 ، ص 45 . ( 2 ) الفارابي ، آراء أهل المدينة الفاضلة ، بيروت ، الكاثوليكية ، 1959 ، ص 104 .