رفيق العجم
195
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
كله توقيف ، ونحن لا نجوّز قياس النبيذ على الخمر في حكم التحريم ما لم يدلّ دليل آخر - سوى هذا الحكم - على أن الحكم إذا ثبت مقرونا بمعنى مخيل كان منوطا بمجرّد الإخالة من غير التفات إلى خصوص وصف المحل ، فيكون ذلك الدليل تعريفا من الشارع ، وتعريفه كله توقيف ، ولكن طرق التعريف كثيرة : قد يكون بلفظ أو إشارة أو سكوت أو استبشار أو قرينة أو معنى مدرك من ألفاظ كثيرة متفرّقة أو من أفعال كثيرة متكرّرة تكشف عن عادته في اتباع معنى واطّراح معنى . وبالجملة فما لم يقم على ذلك دليل - هو تعريف جار مجرى التوقيف باللفظ في إفادة الظن - فلا يجوز القياس أصلا ، وهو معنى قولنا : إن الشرع كله توقيف . ( أس ، 11 ، 6 ) - لفظ القياس مشترك : فقد يفهم منه الرأي المحض الذي يقابل التوقيف حتى يقال : " الشرع إما توقيف وإما قياس " ، وهذا الذي ننكره وهو الذي يتعرّض لتشنيع الظاهرية والتعليمية . أما إذا لم يرد به هذا المعنى فلا ننكره ، وهو أن يقال : الأحكام الشرعية تنقسم : إلى تعبّدات وتحكّمات جامدة لا تعقل معانيها - كرمي الأحجار إلى الجمرات في الحج - وإلى ما تعقل معانيها ومقاصد الشرع منها كما يعقل من استعمال الأحجار في الاستنجاء وأن المقصود منه تخفيف النجاسة ، وكما يعقل من صرف المال إلى الفقراء ، إذ المقصود إزالة حاجاتهم وفاقاتهم ، وهذا توقيف كما أن الرمي في الحج توقيف ، ولكن ذلك توقيف مجرّد لا يقترن به فهم مقصود الشرع من ذلك التوقيف ، وهذا يقترن به فهم مقصود معقول ، فيسمّى هذا النوع - وهو أحد نوعي التوقيف - قياسا لما انقدح فيه من المعنى المعقول ؛ ويخصّص اسم الآخر باسم التوقيف وإن كان اسم التوقيف عامّا ، ولكن خصّص هذا الاسم بما هو توقيف فقط ، فقد تخصّص اسم الطرد - من جملة أنواع القياس - بما هو طرد فقط وإن كان المخيّل - أيضا - مطّردا ، وتخصّص اسم الشبه بما هو شبه فقط وإن كان المخيل - أيضا - شبها ؛ إذ يشبه الفرع الأصل في المعنى المخيّل كما يشبه في المعنى الذي لا يخيل ، وتخصيص الأسامي العامة كثيرة ؛ إذ تخصّص اسم الإلحاد بالميل عن الحق إلى الباطل ، واسم الارتداد بالارتداد من الحق إلى الباطل ، واسم الإخلاص بتمحيص الحق ، وإن كان الاسم في الوضع عامّا للجانبين ، والقياس - إذن - أحد نوعي التوقيف ، فليس مقابلا له . ( أس ، 104 ، 6 ) - التوقيف فبأن يخلق الأصوات والحروف بحيث يسمعها واحد أو جمع ويخلق لهم العلم بأنها قصدت للدلالة على المسمّيات والقدرة الأزلية لا تقصّر عن ذلك . ( مس 1 ، 319 ، 1 ) توكّل - التوكّل منزل من منازل الدين ومقام من مقامات الموقنين ، بل هو من معالي