رفيق العجم

175

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

حمل فرع على أصل في حكم بعلّة ، فإطلاق اسم القياس على غير هذا ظلم على وضع الاسم . فإن قيل : فالمتكلّمون قاسوا ، وردّوا الغائب إلى الشاهد ، وأثبتوا علّة الأصل ثم ردّوا الفرع إليه ، فلم أنكرتموه ؟ فقد قالوا : الباري تعالى مرئيّ ؛ لأنه موجود ، قياسا على المرئيات من الأعراض والجواهر ، ثم انتهضوا فقالوا : الأعراض والجواهر إنما تصحّ رؤيتها لعلّة الوجود ، فالوجود هو المصحّح ، وإذا ثبت أنه المصحّح ثبت أن كل موجود مرئيّ ، والباري موجود ، فيجب أن يكون مرئيّا . قلنا : إن لم يثبت لهم أن كل موجود مرئي على العموم - حتى يكون هذا قضية عامة - فلا يمكنهم الحكم بأن الباري تعالى مرئي ، وإن ثبت لهم ذلك فقد استغنوا عن ذكر الشاهد والقياس ، وانتظمت حجّتهم بقولهم : " كل موجود مرئي ، والباري تعالى موجود ، فإذن هو مرئي " ، وهذا أصلان إذا سلّما لزم تسليم محل النزاع بالضرورة ، والأصل الأخير مسلّم وهو أن الباري موجود ، والممنوع هو الأصل الأول وهو قولنا : " كل موجود مرئي " ، فإن لم يثبت ذلك فلا حجّة ، وإن ثبت فهو حجّة دون الاستشهاد والقياس ، فيكون ذكر الجوهر والعرض حشوا كذلك اليهودي في مسألة ركوب البحر ، وقولنا : " كل موجود مرئي " ليس أوّليّا ، فيجب إثباته بالبرهان . فإن قيل : فإنما غرضهم في الاستشهاد إثبات ذلك . قلنا : وليس يثبت هذا بالاستشهاد ، فمن حاول هذا بمجرّد الاستشهاد فهو في شطط ، فمن يدّعي أن اللون مسموع - استشهادا بالصوت فإنه مسموع - كان كمن يدّعي أن الصوت مرئي استشهادا باللون فإنه مرئي ، وهذا الاستشهاد لا يغني ؛ إذ يمكن أن يقال : الصوت مسموع لكونه صوتا لا لكونه موجودا . فإن قيل : فيثبتون ذلك بالسبر والتقسيم . قلنا : مهما أثبتوا ذلك بتقسيم حاصر دائر بين النفي والإثبات على شرط التقسيم فيكون إثبات كون الوجود مصحّحا بالتقسيم لا بالقياس ، ثم : إثبات كون الباري بعد ذلك مرئيّا بالعموم لا بالقياس ؛ إذ عند ذلك يصحّ أن كل موجود مرئي والباري موجود فكان مرئيّا ، والتمسّك بالعموم لا يسمّى قياسا ، ولا السبر والتقسيم يسمّى قياسا ؛ فإنّا إذا قلنا : " العالم إما قديم وإما حادث ، وباطل أن يكون قديما لكذا وكذا ، فلزم أنه حادث " ، فلو أطلق مطلق اسم القياس على هذا كان متعسّفا بوضع الاسم في غير موضعه ، وكان مخالفا للفقهاء والأصوليين في اصطلاحهم ، وكان موافقا للمنطقيين في إطلاقهم اسم القياس على هذا وعلى التمسّك بالعموم أيضا ، ولو جاز هذا لجاز أن يسمّى التمسّك بالنص وبأخبار التواتر وسائر أسباب العموم قياسا ، وعند ذلك يرجع الخلاف إلى لفظ لا طائل له . ( أس ، 21 ، 4 ) - السبر والتقسيم وإن لم يكن قياسا ففيه نوع دليل إذا وجد شرطه ، والغالب أن المتكلّمين لا يراعون شروطه ، فإن من