رفيق العجم
مقدمة 22
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
عليهم التيارات العقلية والتجريبية والتراثية ، الليبرالية والإسلامية والاشتراكية ، فوقفوا حيارى : تارة ينتقون منها انتقاء وطورا يتبنّون تيّارا دون آخر ، ومرة يفشلون في التلفيق والتوفيق ، وأخرى يقعون في ضياع وتخبّط وتأزّم . كما وأن الغزالي حلقة هامة في سيرورة الإنتاج الفقهي والفلسفي والأصولي عند العرب والمسلمين ، إذ ترك أثره في المشرق مثلما تركه في نتاج المغاربة من علماء المسلمين وأوليائهم وفلاسفتهم ، على الرغم من تخطّي بعضهم له وانتقاد بعض آرائه . إلّا أن المسائل التي أثارها والكتابات التي خلّفها واضحة التأثير ، مثال ذلك : - مراسلته مع يوسف بن تاشفين ، تشير إلى دراية الحكّام به ومعرفتهم بعلوّ قدره . - ما تركته لنا أدبيات الطرق الصوفية من اعتماد بعضها على آرائه . فالشاذلية أخذت من إحياء علوم الدين كثيرا ، كما أخذت من قوت القلوب للمكي . ومعلوم أن الشاذلي أتى إلى مصر من المغرب . كما وأن « المرابطون » في مناقشاتهم مع بعض الشبكات ذات الانتماء المالكي حول بعض النزعات الصوفية عادوا إلى مؤلّفات الغزالي الصوفية ، التي انتشرت كاللهيب بين أمراء « المرابطون » وفي « الرباط » . ثم تأثّر « الموحدون » به وأخذوا من ابن عربي أكثر « 1 » . ويقال إن التيجانية التي انتشرت في موريتانيا تأثّرت بطريق غير مباشر بتعاليم الغزالي وإحيائه . - نسب محي الدين بن عربي في كتابه « محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار » كتاب منهاج العابدين إلى أبي الحسن علي المسفّر السّبتي « 2 » . وكان زاهدا مغمورا لقيه ابن عربي بسبتة . إلا أن النقّاد أثبتوا نسبة الكتاب للغزالي وعلّلوا ذلك « 3 » . وما يهمنا من ذلك تداول كتب الغزالي وعناوينها ومصطلحاتها في المغرب . - عرف ابن رشد الغزالي تماما ، فقد تأثّر به . وإننا نرى تحريم الجدل والكلام على العامة وتقسيم فئات الناس والمتعلّمين لدى ابن رشد مشابه للغزالي تماما ، وكما جاء في كتبه الكلامية . ثم إن ابن رشد ترك مصنّفا صغيرا هو : « الضروري في أصول الفقه ، أو مختصر المستصفى » « 4 » مما يثبت معرفته بكتاب المستصفى للغزالي . يضاف إلى كل ذلك كتاب تهافت التهافت وفيه الردود المحكمة على تهافت الفلاسفة للغزالي . إن إثارة أثر الغزالي في مثقّفي المغرب خلال القرون التالية على وفاة الإمام واضحة ، وبيّناها هنا لأن نتاج الثقافة المغربية ترك خطين مهمّين ، ما زال الجدل يقوم حولهما ، وآثارهما
--> ( 1 ) H . Farhat et H . Triki , Hagiographie et religion au Marocmedieval , HesperisTamuda , XXIV , 1986 , P . 17 - 51 . ( 2 ) من سبتة على البحر تقابل جزيرة الأندلس ، معجم البلدان ، 3 / 182 . ( 3 ) ورد الأمر في مؤلّفات الغزالي للبدوي . ( 4 ) صدر في أواخر التسعينات مطبوعا بدار الغرب الإسلامي .