رفيق العجم
129
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
الأخطار المهلكة والأشغال المردية والكدورات المعمية . ( مش ، 87 ، 7 ) بخل - بيان حدّ السخاء والبخل وحقيقتهما : لعلّك تقول : قد عرف بشواهد الشرع أنّ البخل من المهلكات ، ولكن ما حدّ البخل وبماذا يصير الإنسان بخيلا ؟ وما من إنسان إلّا وهو يرى نفسه سخيّا وربّما يراه غيره بخيلا ، وقد يصدر فعل من إنسان فيختلف فيه الناس فيقول قوم : هذا بخل ويقول آخرون ليس هذا من البخل . وما من إنسان إلّا ويجد من نفسه حبّا للمال ولأجله يحفظ المال ويمسكه ، فإن كان يصير بإمساك المال بخيلا فإذا لا ينفكّ أحد عن البخل . وإذا كان الإمساك مطلقا لا يوجب البخل ، ولا معنى للبخل إلّا الإمساك فما البخل الذي يوجب الهلاك ؟ وما حدّ السخاء الذي يستحقّ به العبد صفة السخاوة وثوابها ؟ فنقول : قد قال قائلون حدّ البخل منع الواجب ، فكل من أدّى ما يجب عليه فليس ببخيل ، وهذا غير كاف ؛ فإنّ من يرد اللحم مثلا إلى القصاب والخبز للخباز بنقصان حبة أو نصف حبة فإنّه يعدّ بخيلا بالاتفاق . وكذلك من يسلم إلى عياله القدر الذي يفرضه القاضي ثم يضايقهم في لقمة ازدادوها عليه أو تمرة أكلوها من ماله يعدّ بخيلا . ومن كان بين يديه رغيف فحضر من يظنّ أنّه يأكل معه فأخفاه عنه عدّ بخيلا . وقال قائلون : البخيل هو الذي يستصعب العطية ، وهو أيضا قاصر ، فإنّه إن أريد به أنّه يستصعب كل عطيّة فكم من بخيل لا يستصعب العطيّة القليلة كالحبّة وما يقرب منها ، ويستصعب ما فوق ذلك ؟ وإن أريد به أنه يستصعب بعض العطايا فما من جواد إلّا وقد يستصعب بعض العطايا ؟ وهو ما يستغرق جميع ماله أو المال العظيم . فهذا لا يوجب الحكم بالبخل . ( ح 3 ، 274 ، 10 ) - نقول ( الغزالي ) : المال خلق لحكمة ومقصود وهو صلاحه لحاجات الخلق ، ويمكن إمساكه عن الصرف إلى ما خلق للصرف إليه ، ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن الصرف إليه ، ويمكن التصرّف فيه بالعدل ، وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ ، ويبذل حيث يجب البذل ، فالإمساك حيث يجب البذل بخل ، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير . وبينهما وسط وهو المحمود وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه ؛ إذ لم يؤمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا بالسخاء ، وقد قيل : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ( الإسراء : 29 ) وقال تعالى : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ( الفرقان : 67 ) . فالجود وسط بين الإسراف والإقتار وبين البسط والقبض ، وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب ، ولا يكفي أن يفعل ذلك بجوارحه ما لم يكن قلبه طيّبا به غير منازع له فيه . فإن بذل في محل وجوب البذل ونفسه تنازعه