رفيق العجم
94
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
تعلّق على حدّ تعلّق النّفس بالبدن ، ثم مع هذا التعلّق حدثت حقيقة ثالثة مغايرة لكل واحدة من الحقيقتين ؛ مركّبة من لاهوت وناسوت ، موصوفة بجميع ما يجب لكل واحد منهما : من حيث هو إله وإنسان ! ! وقد ارتكبوا في إثبات هذه الحقيقة فظائع ، كان الأخلق بهم سترها . . . لأنهم أثبتوا لها جميع ذاتيات الإنسان ، ولوازمه ، وملزوماته ، وصفاته وجميع ما يجب للإله وما يستحيل عليه ، من حيث هو إله ، وقضوا بأنها مغايرة لكل واحد منهما مع الاشتراك في جميع ما ذكر ! ! ! . . . ولأنهم حاولوا بأن يثبتوا تعلّقا بين ذات الإله وذات عيسى عليه السلام ، على حدّ تعلق النّفس بالبدن ، فلم يقدروا على تحقيق ذلك ، بل ادعوا إثباته بمجرّد الإمكان ، من غير إتيان بحجّة محرّكة للظن ، فيكف يدّعون إثبات ما هو مستحيل الإمكان متعذّر الوجود ؟ ! وبيان تعذّر ذلك : أن وجود كل حقيقة مركّبة ، موقوف على وجود أجزائها وتركيبها تركيبا خاصّا ، فحينئذ تكون مفتقرة في وجودها إلى وجود أجزائها ، ويكون كل جزء من أجزائها مفتقرا في جزئيته - أي فيما يصير به جزءا محصّلا له صفة الجزئية - ، وتركيبه الخاص إلى انضمام غيره ، والتقدير ، أن بأحد جزأي هذه الحقيقة : اللاهوت ، وجزؤها الآخر الإنسان ، وهو المحصّل للاهوت ، صفة الجزئيّة . وتركيبه الخاص بانضمامه إليه جزءا ؛ إذ بذلك حصل مجموع ما ذكر ؛ فيكون اللّاهوت مفتقرا إلى الإنسان ، وذلك محال بيّن بطلانه ! ! هذا إذا لم يرد بالتركيب ، تركيب امتزاج واتحاد أو مجاورة ، فإن أريد به شيء من ذلك كان الخطب أعظم في الفساد ! ! وربما نقل عن بعض المغفّلين - منهم - أن هذا التركيب ، لا تعلم حقيقته . وجوابهم : أن مخالفة صرائح العقول ، والركون إلى أمر غير معقول ، حماقة وسخافة في العقل ! ! ثم نقول أيضا - من الرأس - : إنّ الإله إذا كان خالقا للناسوت ، ثم ظهر فيه ، متّحدا به ، فقد حدثت له صفة بعد خلقه ، وهي اتّحاده به ، وظهوره فيه ، فنقول : إذا ، هذه الصفة إن كانت واجبة الوجود ، استحال اتّصافها بالحدوث ، وإن كانت ممكنة الوجود ، استحال اتّصاف الباري بها ، لأن صفات الباري كلها واجبة الوجود . لأن كلّ ما لزم من عدم وجوده ، محال ، فهو واجب الوجود ، وصفات الإله ، يلزم من عدم وجودها محال بيّن . فإن قيل : إن كان هذا لازما ، استحال خلق العالم ، بل استحال خلق مخلوق واحد ، لأن اللّه عزّ وجلّ ، إذا خلق مخلوقا واحدا ، حدثت له صفة ، وهي اتّصافه بخلقه ، فيلزم المحال المذكور ! ! فالجواب : أن هذا غير لازم البتّة ؛ لأن المعنى من كون اللّه خالقا : تقديره الخلق في الأزل ، وهذه الصفة ثابتة له أزلا ، فإذا خلق مخلوقا ، فعلمه بوجوده في زمن خلقه ، والقدرة على إيجاده في ذلك الزمن أيضا ، كلاهما ثابت أزلا ، فلم يبق حادث سوى وجوده ، ووجوده ليس