رفيق العجم

85

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

فيلزم أيضا للفريق الثاني ما لزم الأول . أما الأول : فقد مضى القول فيه مبيّنا . وأمّا الثاني : فلأنهم مصرّحون بأن المسيح ، عليه السلام ، أقنوم لحقيقة الإله فقط ، ومعتقدون بأن حقيقته غير مركّبة ، ليس بينها وبين حقيقة الإنسان اختلاط ولا امتزاج ، وقد حكموا مع ذلك بصلبه ، فيلزم أن يكون المصلوب هو الإله ! ! فإن قيل : إن الفريقين ، كل منهما قائل بالاتحاد ، فلم لا يعود الصّلب على المتّحد به ؟ فنقول : هذه الدعوى لا يقدرون على تحقيقها البتّة ؛ أمّا القدماء ، فلأن المتّحد به ، لا وجود له إلّا في الذهن ، ولأن حقيقة المسيح عندهم غير مركّبة . وأمّا المتأخّرون : فبمثل هذه المقالة - أيضا - يقولون : وأما الاتحاد عندهم بإنسان جزئي ، فحاصله يرجع إلى نسبة ، والعجب من إطلاقهم الصلب على المسيح ( الذي هو أقنوم لحقيقة الإله فقط ) ثم يعترضون بأنّ الاتحاد غير معقول الحقيقة . وكيف يستجيز العاقل أن يطلق الصّلب على المسيح ( الذي هو أقنوم لحقيقة الإله فقط ) ، ويصرّح بجهله بحقيقة الاتحاد الذي ينبني على العلم به ، ردّ الألم إلى الإنسان وصرفه عن الإله ، جلّ اسمه ؟ ! وأعجب من ذلك ركونه إلى ما لا يعلم حقيقته ، وله عن هذه الجهالة ، مندوحة ظاهرة ! ! وأيّ عذر لمن يعتقد أن الحامل له على ذلك ، ما ورد من ظواهر النصوص الدالّة على الاتحاد ، وما ظهر على يد المسيح ، عليه السلام ، من الخوارق ؟ ! وهذا اعتراف بالجهل الصّادّ عن الحق ، ومن لم يدر أوضاع العلوم ، ولم يكن له منها هاد يزعه عن الجهالة ، هان عليه أن يقول مثل ذلك ! ! ( ر ، 135 ، 3 ) أقنوم الأب - منهم من يقول ( فرق النصارى ) : إنّ الذات ، إن اعتبرت من حيث هي ذات ، لا باعتبار صفة البتّة ، فهذا الاعتبار عندهم عبارة عن : العقل المجرّد ، وهو المسمّى بأقنوم الأب ، وإن اعتبرت من حيث هي عاقلة لذاتها ، فهذا الاعتبار عندهم عبارة عن معنى العاقل ، وهو المسمّى بأقنوم الابن والكلمة ، وإن اعتبرت بقيد كون ذاتها معقولة لها ، فهذا الاعتبار عندهم ، هو المسمّى بأقنوم معنى المعقول وروح القدس . فعلى هذا الاصطلاح يكون العقل عبارة عن ذات الإله فقط ، والأب مرادفا له ، والعاقل عبارة عن ذاته ، بقيد كونها عاقلة لذاتها ، والابن والكلمة مرادفين له ، والمعقولية عبارة عن الإله الذي ذاته معقولة له ، وروح القدس مرادفا له ، فقد ثبت بهذين الاصطلاحين أن الكلمة عبارة عن : الذات الموصوفة بالعلم والعقل ، وكذلك الابن ، فإذا كل منهما أقنوم مدلوله : العالم أو العاقل . فقوله في البدء كان الكلمة ، يريد : في البدء كان العالم ، وقوله : والكلمة كان عند اللّه ، معناه ، والعالم لم يزل موصوفا به الإله ، يريد : إن هذا الوصف لم يزل ثابتا للإله ، وكان ها هنا بمعنى لم يزل ، وقوله : وإله هو الكلمة