رفيق العجم
مقدمة 13
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
ضعفت الخلافة العباسية ذات الأرومة العربية والطابع الأرستقراطي ، وهيمن البويهيون الفرس تارة ثم السلاجقة الترك طورا . وقد ظفر طغرل بك منهم بعد دخوله بغداد بلقب السلطان ، في ظلّ حماية الخليفة من مؤامرة أعدّها بعض الموالين للدولة الفاطمية في مصر . وفي هذا العصر اشتدّت الدعوة الباطنية الإسماعيلية بجهود الحسن بن الصباح الإسماعيلي المتوفى 518 ه ، والذي تترّس في قلعة ( الموت ) قرب بحر قزوين وأرسل أتباعه ودعاته في شتّى الأرجاء لنشر دعوته وبثّ عقيدته القائمة على القول بالإمام المعصوم المنتظر . واتّخذ في سبيل ذلك العنف والقتل أحيانا كما فعل بعض أتباعه في اغتيال نظام الملك سنة 485 ه ثم فخر الملك سنة 500 ه . وكما هو الحال فيما بين الفرق كذلك كان الأمر داخل المذهب الواحد ، إذ تجلّى الصراع ، ولو بأساليب مختلفة ، في تعارضات على العقيدة . مثال ذلك الصراع داخل أهل السنّة والجماعة ، حين اتّبع السلاجقة المذهب الحنفي وبثّوه في خراسان ، وبالغ وزيرهم عميد الملك منصور الكندري في ذلك ، وتعصّب وحسّن للسلطان طغرل بك لعن المخالفين على المنابر من المبتدعة ومن جاراهم ، فوافق السلطان على ذلك ، فاتّخذ الكندري هذا ذريعة إلى طعن الأشعرية وقصدهم بالإهانة والأذى ، ومنع أتباعهم من التدريس والوعظ وعزلهم عن الخطبة في المساجد ، مستعينا بطائفة من المعتزلة الذين أعلنوا أنهم يقلّدون مذهب أبي حنيفة وحسّنوا للسلطان الإزراء بالمذهب الشافعي وبالأشعرية . فحصلت فتنة وشاع التعصّب والفداء . وكذلك حصل بين الحنابلة والأشعرية في بغداد ، وبين السنّة والشيعة واستدامت العداوة ، ودفع الناس والأمة ثمن الفتن ضحايا بشرية وخسائر مادية وروحية وفكرية « 1 » . ولعلّ الصراع السياسي العقائدي أعطى نتائج عكسية على المستوى الثقافي والعلمي ، ففي هذه الحقبة من الزمن ازدهرت الدراسات اللغوية والإسلامية في شتّى الميادين ، في التفسير والحديث والأصول والفقه والفلسفة والكلام والمنطق ، وفي العلوم البحتة أيضا . وربما كان مردّ ذلك تلاقي حضارات الأمم واختلاط تجارب الشعوب وتلاقح الثقافات المختلفة . وكان للسلاجقة دور مهم في دحر التمزّق والفرقة والقيام بنشاط قوي في إنشاء المدارس ودور العلم ، والعناية بالمعلّمين والمتعلّمين . ولا غرابة في ذلك والشاهد دور نظام الملك السلجوقي مؤسّس المدارس النظامية المنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي . وقد سمّيت النظاميات على اسمه .
--> ( 1 ) تاريخ الإسلام للذهبي ج 12 ، طبقات الشافعية 2 / 269 - 275 ، الكامل لابن الأثير 9 / 175 و 195 و 214 و 221 و 227 و 10 / 46 ، مرآة الزمان 8 / 41 - 51 ، المنتظم 8 / 305 و 326 و 9 / 20 و 170 .