رفيق العجم

53

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

الألفاظ لأمور ودقائق في النفس فيسمّى ذلك استنباطا وإن لم يكن قياسا ، وإن كان المعنى المستنبط من النص أعمّ من النص - حتى صار الحكم عامّا بعموم المعنى وانحذف خصوص النص - سمّي إلحاق غير المنصوص بالمنصوص - بواسطة المعنى المستنبط - قياسا ، كما أخذنا من قولهم : " قاس الشيء بالشيء " فأقلّ ما يحتاج إليه فيمكن إطلاق اسم القياس عليه - أربعة أمور ؛ فإن القياس هو قياس شيء على شيء في شيء بشيء ؛ معناه : قياس فرع على أصل في حكم بعلّة ، فلذلك إذا أفضى الاستنباط إلى معنى قاصر لا يسمّى ذلك قياسا ؛ إذ لا فرع ولا أصل ، والقياس نسبة بين شيئين تجري بينهما تلك النسبة . وقد وقع الخلاف في أمر خامس أنه هل يشترط لإطلاق اسم القياس ، وهو أن يكون المعنى الجامع مستنبطا بالنظر والفكر ، فلهذا اختلفوا في أن إلحاق الضرب والقتل بالتأفيف هل يسمّى قياسا ؟ وإلحاق الأمة بالعبد هل يسمّى قياسا ؟ والحق : أن لفظ القياس في وضع اللسان لا يستدعي هذا المعنى الخامس ، إلا أن يتحكّم متحكّم بالاصطلاح ، فالقياس يجوز أن ينقسم : إلى معلوم على البديهة وإلى معلوم بالتأمّل ، ولا تناقض في هذا التقسيم بالإضافة إلى وضع لفظ القياس في اللغة ، لكن يستدعي القياس أصلا وفرعا ، ولا بدّ أن يتميّز الأصل عن الفرع بخاصّية ولا خاصّيّة له إلا أنه يتقدّم عليه في العلم فيحصل ذلك أولا ، ويحصل العلم بالفرع بعده وبسببه ، فيصير ذلك - بالتقدّم - أصلا ، وهذا - بالتأخّر - فرعا ، فلا أقل من أن يتأخّر العلم بالفرع ، وتحريم الضرب يعلم مع النهي عن التأفيف - والأمة تفهم من ذكر العبد - من غير حاجة إلى استنباط وتأمّل ، ولا يتأخّر عنه ، وكأنه يقوم لفظ العبد مقام لفظ الرقيق ، ولفظ التأفيف مقام لفظ الإيذاء . ( أس ، 106 ، 6 ) استواء - لنرجع إلى معنى الاستواء والنزول ، أمّا الاستواء : فهو نسبة العرش إليه لا محالة ، ولا يمكن أن يكون للعرش إليه نسبة إلّا بكونه معلوما أو مرادا أو مقدورا عليه أو محلا مثل محلّ العرض أو مكانا مثل مستقرّ الجسم ؛ ولكن بعض هذه النسب تستحيل عقلا وبعضها لا يصلح اللفظ للإستعارة له . فإن كان في جملة هذه النسب مع أنّه لا نسبة سواها نسبة لا يحيلها العقل ولا ينبو عنها اللفظ ، فليعلم أنّها المراد أمّا كونه مكانا أو محلّا كما كان للجوهر والعرض فاللفظ يصلح له ؛ ولكن العقل يحيله كما سبق . وأمّا كونه معلوما ومرادا فالعقل لا يحيله ولكنّ اللفظ لا يصلح له . وأمّا كونه مقدورا عليه وواقعا في قبضة القدرة ومسخّرا له مع كونه أعظم المخلوقات ويصلح الاستيلاء عليه لأن يتمدّح به وينبّهه به على غيره الذي هو دونه في العظم . فهذا مما لا يحيله العقل ويصلح له اللفظ . فاخلق بأن يكون هو المراد قطعا . ( ق ، 55 ، 8 )