جيرار جهامي

667

موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس )

الحدّ قد بيّن فيه أمر طراغوذيا بيانا يدلّ على أنه تذكّر فيه الفضائل الرفيعة كلها بكلام موزون لذيذ على جهة تميل الأنفس إلى الرّقة والتقية . وتكون محاكاتها للأفعال ، لأن الفضائل والملكات بعيدة عن التخيّل ، وإنما المشهور من أمرها أفعالها . فيكون طراغوذيا يقصد فيه لأجل هذه الأفعال أن يكمل أيضا بإيقاع آخر واتّفاق نغم ليتمّ به اللحن ، ويجعل له من هذه الجهة إيقاع زائد على إيقاع أوزانه في نفسه . وقد يعملون عند إنشاد طراغوذيا باللحن أمورا أخرى من الإشارات والأخذ بالوجوه تتمّ بها المحاكاة . ( شعر ، 44 ، 10 ) - أجزاء الطراغوذيا التامة عندهم ( اليونانيون ) ستّة : الأقوال الشعرية الخرافية ، والمعاني التي جرت العادة بالحثّ عليها ، والوزن ، والحكم ، والرأي ، والدعاء إليه ، والبحث والنظر ثم اللحن . ( شعر ، 46 ، 6 ) - إن طراغوذيا ليس هو محاكاة للناس أنفسهم ، بل لعاداتهم وأفعالهم وجهة حياتهم وسعادتهم . والكلام فيه في الأفعال أكثر من الكلام فيه في الأخلاق . وإذا ذكروا الأخلاق ذكروا الأفعال ؛ فلذلك لم يذكروا الأخلاق في الأقسام ، بل ذكروا العادات ، ليشتمل على الأفعال والأخلاق اشتمالا على ظاهر النظر . فإنه لو قيل : الأخلاق ، لكان ذلك لا يتناول الأفعال . وذكر الأفعال ضرورية في طراغوذياتهم ؛ وذكر الأخلاق غير ضروري فيه . وكثير من طراغوذيات كانت لهم يتداولها الصبيان فيما بينهم ، تذكر فيها الأفعال ولا يفطن معها لأمر الأخلاق . ( شعر ، 46 ، 16 ) - قد كان عندهم ( اليونانيون ) لكل قصيدة من طراغوذيا أجزاء تترتّب عليها في ابتدائها ووسطها وانتهائها ؛ وكان ينشد بالغناء والرقص ويتولّاه عدّة . وكان جزؤه الذي يقوم مقام أول النسيب في شعر العرب يسمّى " مدخلا " . ثم يليه جزء هناك يتبدّى معه الرقاص يسمّى " مخرج " الرقاص ؛ ثم جزء آخر يسمّى " مجاز " هؤلاء . وهذا كله كالصدر في الخطبة . ثم يشرعون فيما يجري مجرى الاقتصاص والتصديق في الخطابة فيسمّى " التقويم " . ثم كان تختلف أحوال ذلك في مساكنهم وبلادهم ، وإن كان لا يخلو من المدخل ومجاز المغنين . ( شعر ، 58 ، 5 ) - يجب في تركيب الطراغوذيا أن يكون غير تركيب بسيط ، بل يجب أن يكون فيه اشتباك ؛ وقد عرفته - ويكون ذلك مما يخيّل خوفا مخلوطا بحزن بمحاكاته . فإن هذه الجهة من المحاكاة هي التي تختصّ كل طراغوذيا وبها تقدر النفس لقبول الفضائل . وليس يجب أن تكون النقلة فيها كلها من سعادة إلى سعادة . فالشجعان لا يقنعون بمزاولة السعادة والبراءة من الخوف والعمّ ومزاولة الأفعال التي لا صعوبة فيها ، كما لا يقنع الكدود بدوام الشقاوة . ومثل هذا لا يخيّل في النفس انفعالا يعتدّ به من رقّة أو حزن أو تقية ، ولا تكون فيه محاكاة شقاوة الأشرار . وإنما تحدث الرقّة