جيرار جهامي

مقدمة 15

موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس )

التسليم بالخبر المجرّد حيث تنثال عليه الكليات ؟ إن الشيخ الرئيس ، وإن اتبع بداية المسار التقليدي المعهود مشّائيّا في اكتساب المعارف ، قد حاول تجاوزه حين وضع الحدس إلى جانب العقل ، والعرفان بموازاة المعرفة ، توصّلا إلى التبيان الباطني ( E ? vidence interne ) . لكنه أقرّ بأن استعدادات الناس في كلا الحدس والعرفان على مراتب ، وأن قواهم متفاوتة عند العلم والمعرفة . لذا فهو يصرّح بأن « هذا الاستعداد قد يشتدّ في بعض الناس حتى لا يحتاج في أن يتّصل بالعقل الفعّال إلى كبير شيء وإلى تخريج وتعليم بل يكون شديد الاستعداد لذلك . . . ويجب أن تسمّى هذه الحال من العقل الهيولاني عقلا قدسيّا ، وهو من جنس العقل بالملكة إلّا أنه رفيع جدّا ليس مما يشترك فيه الناس كلهم » . وبذا إذا كانت الحدود الوسطى تنبع من الواقع العيني من جهة ، فإنها تتمثّل مباشرة في الذهن حدسا من جهة ثانية . هنا يمسي دور العقل الفعّال المجرّد للذهنيات مكمّلا لدور الحدس ومتوّجا معارفه ، ويكون بمثابة النار التي تشعل المصابيح المعدّة للإنارة ؛ علاوة على أهمية أدوار الاستبطان والعرفان في مساعدة النفس للوقوف على حقائق الذات من داخل عالمها ومن خارجه . أعدّ فيلسوفنا النفس وسلّحها بوسائل ذاتية تخوّلها لعب دور فاعل نظرا وعملا ، دون إسقاط دور القابل من طبيعتها . نقول أعدّ وسلّح لأن علوم عصره وثقافته الجامعة وبيئته المتلوّنة بالعقائد ، أمور لم تخوّله الذهاب إلى أبعد مما كان يطمح إليه ربما . وما علينا اليوم سوى أخذ هذه المواقف - العبر لنتجاوز من خلالها العثرات المعيارية التي حدّت من نمو نظرية المعرفة السينوية إجمالا ، وأوقفته عند أقفال الازدواجية العلمية بين عالمي الطبيعة وما وراءها ، ومضماري العقل والحدس . إنه إذا تمّت عملية التجريد بالالتفات على الواقع العيني من خارج ، دون خرقه وتفكيكه من داخل بالنظر والاذتهان ، فهذا لا يعني أن النفس الإنسانية تبقى مهمّشة أو عاجزة عن وعيها لذاتها ولما يدور حولها من حوادث . فقد أكسبها ابن سينا مناعة ذاتية ، وأماط اللثام عن قواها الأنوية وعن معارفها