جيرار جهامي
مقدمة 12
موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس )
لم يهتمّ ابن سينا بالنظريات فقط ، إنما وجّه أبحاثه صوب الحكمة العملية أيضا ، تقديرا منه أن الحياة الاجتماعية تكمن في تدبير المنزل وسياسة الأهل وتصويب الأخلاق . لذا وضع رسائل عدّة في هذا الحقل للدلالة على وجوب فهم الحكمة على الطريقة السقراطية ، إذ أن العلم بالفضيلة يؤدّي إلى ممارستها . أمّا في مجالات الطب والصيدلة ( من الأدوية المفردة والمركّبة ) فلا بدّ من ذكر كتاب القانون في أجزائه المختلفة ، والأدوية القلبية ، الأرجوزة في الطب ، الأغذية والأدوية ، الأقرباذين ، دفع المضارّ الكلّية عن الأبدان الإنسانية . لم يترك الشيخ الرئيس إذا موضوعا إلّا وعالج طرفا منه ، إن لم يكن أطرافا . وهذا ما انعكس بجلاء ووضوح في تخصيصه رسائل لدراسة اللغة وحروفها وكيفية النطق بها . كما واهتمّ بالشعر والموسيقى ، إلى أن أفرد مؤلّفات ورسائل تدور حول الصنعة والكيمياء والسحر والطلسمات والنيرنجات ، نظرا لما خلّفته في النفوس من اضطراب والتباس . إن جلّ تآليف ابن سينا دوّن في اللغة العربية ، نثرا وشعرا . لكن هناك قسما حرمنا من الاطلاع عليه وتقميش مادته المصطلحية لأنه جاء بالفارسية ، وهو يتجاوز العشرين مخطوطة وكتابا . لكن جوهر فكره وزبدة آرائه انعكست في مصطلحه العربي الذي ، وإن جاء مصبوغا ومسكوبا بلغة خاصة شكت أحيانا من الركاكة ، فقد عبّر عن أصول فكر موسوعي باتت تستمدّ منه الفلسفة العربية جوانب عدّة في صقل مناهجها وتحليلاتها . فضاؤه الفكري ومقوّمات فلسفته الحكمية صاغ ابن سينا كتاباته في لغتين مختلفتين وهما : لغة مشّائي بغداد المعبّرة عن ميادين الطبيعيات والنفسانيات والمنطقيات والإلهيات ، ولغة أهل فارس المفصحة عن الحكمة المشرقية والعرفان الإشراقي . وقد عكس هذه الازدواجية ، في الكلمة ومدلولاتها ، الصراع القائم يومذاك بين حضارتي