الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال
طيف الخيال للمرتضى 64
رسائل طيف الخيال في الجد والهزل
للآمدي ، وهو أشبه بالصواب مما ذكره ، وهو أنه لما قال : عجبت منه تخطّى القاع ، وجاوز الرمل ، وذلك كله لم يكن ، وإنما تشبه له وتخيل إليه ما لا حقيقة له ، أراد أن تبين هذه الإضافة غير حقيقية ، فكان له أن يقول : وما تخطّى ، ولا جاوز الرمل ، كما قال في موضع آخر : « أنّي اهتديت وما اهتديت » ، فعدل إلى أن قال : « وما برحا » ؛ لأن من لم يبرح مكانه ما تخطى ولا جاوز ، فكأنه استعار الطيف الذي ما تخطّى الوصف له بأنه ما برح ، وإن كان لا يليق به من كل الوجود ؛ لأن الذي لم يبرح ما فارق مكانه ، ولا زال من موضعه . وهذا وصف لا يلين بالطيف ، لكن ما لم يبرح ما تخطّى . والطيف ما تخطى ، فكأنه ما برح فأما قوله : إن الصورة أيضا غير بارحة فكلام غير صحيح ؛ لأن الطيف الذي يتصوّر ويتمثل ، ليس بشيء يشار إليه ، فتثبت له البراح ، أو تنفي عنه وقوله : يجوز أن يريد بقوله ما برحا : أي ما برحت هي ، ووضع خيالها في موضعها قريب . فأما بيت جرير الذي أنشده فالأولى في معناه : أن يريد أنها طرقته بنفسها زائرة على الحقيقة لا طيفها . فقال لها عتبا عليها ، أو خوفا من وضع الزيارة في غير موضعها : ارجعي بسلام ؛ لأنه قد قال في البيت : وليس ذا حين الزيارة . ومن خاف الرقباء ، ولم يأمن على محبوبه من الأقوال الخارجة ، والتهم الفادحة ، استعفى مما يطرق ذلك ويثمره . وليس في لفظ البيت ما يدل على اختصاص بالخيال ؛ لأن الطروق الذي هو الزيارة ليلا ، يكون لغير الخيال ، كما يوصف به الخيال ، وهو في غير الخيال حقيقة ، وفي الخيال مجاز . وحمل الكلام - إذا أمكن - على الحقيقة أولى . وأي معنى لقوله : « وليس ذا حين الزيارة » إن كان عنى الطيف ؟ وله كل معنى إذا أراد به الزيارة الحقيقية . الذي قاله الآمدي قد قاله قوم ، وغيره أصوب منه وأقرب . فأما بيت طرفة ؛ فهو صريح في طرد الخيال . « 1 »
--> ( 1 ) هو : طرفة بن العبد بن سفيان أبو إسحاق . ذكره ابن حبيب في كنى الشعراء ( ت : 75 ) بتحقيق وهو ملحق بكتاب أسماء المغتالين من الأشراف . وترجم له ابن قتيبة في الشعر والشعراء ( ص 26 ) . فمما قال في ترجمته : هو : أجودهم طويلة وهو القائل : لخولة أطلال ببرقة تهمد وله بعدها شعر حسن ، وليس عند الرواة من شعره وشعر عبيد إلّا القليل ، وكان حسب من قومه جريئا على هجائهم وهجاء غيرهم ، وكانت أخته عند عبد عمرو بن بشر بن مرثد ، وكان عبد عمرو سيد أهل زمانه ، فشكت أخت طرفة شيئا من أمر زوجها إليه ، فقال : ولا عيب فيه غير أن له غنى * وإن له كشحا إذا قام أهضما -