الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

رسالة الطيف للمنشئ 113

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

وقال ابن التعاويذي : وأطلتم ليلى وكم من ليلة * ذهبت بوصلكم كظل الطّائر « 1 » وقال آخر : / [ 49 / ب ] كلّ اللّيالي الماضيات خلاعة * تفدي نعيمك بالساوي حاجر ما كنت في اللذات إلّا خلسة * سمحت بها الأيّام سمحة عابر « 2 »

--> ( 1 ) وهذا كسابقه يقول إن الهجر يطيل عليه الليل ويجعل ليله بلا صبح وسواده حالكا ونجومه منطفئات ونسيم برده قارسا وأطرافه متباعدة وساعاته متثاقلة وسميره فيها الأرق والقلق والحزن والجوى والضنى والسهر والوجد والهيام وأهم أمانيه فيه أن ينام رجاء أن يرى لمحبوبه طيف خيال يسري عنه بعض ما يلقى من الآلام ويعزيه في غربته التي هو فيها والناس حوله نيام هانئين بما هم فيه من راحة البال والاستقرار ، فقد عافاهم اللّه من عذاب الحب وويلاته وآلامه التي يجد لها المحب لذة ما بعدها لذة وقت الوصال ، يجهلها كل من هو في هذا الاستقرار وهو يرى أن الساعات التي يقضيها مع محبوبه تمر كأسرع من مرور ظل الطائر في جوف السماء على الجالس على الأرض فهو أسرع من طرف العين وومض البرق يريد أن يقول له إني أجلس معك ولا أجلس فلا تحسب أن جلوسك معي هذه الساعات بقدر ما تحسه أنت بل هو بقدر ما أحسه أنا وأنا أحسه بهذه السرعة وهذا القدر من وميض البرق وطرف العين وسرعة الطائر فاعذرني في عتبي عليك ولومي لك في استقلالي للوقت الذي أقضيه معك حبيبي . ( 2 ) يقول لها إنه مهما قدم لها من الشكر على هذا الوصل بعد هذا الهجر الذي أضناه في الليالي السالفة فإنه لا يقدر على ذلك ولو بالساوي حاجره أي بحبة عينه ، وعلى الرغم من ذلك كله ما نلت من لذة وصلك إلا أقل من طرفة العين وقد كانت خلسة لا على قرار ولا على هدوء حال ، وهذا حال العشاق كما قلت في لوم دار الليالي والأيام يريدون أن لا يكون الدهر إلا خليلا وخلّه وظلا ظليلا وماء باردا وصوت عصفور ، وضحكة مخلص ونظرة محب ولمسة عاطف وقبلة حان وحضن واله ولقاء عاشق ، هذا هو أقصى أمانيهم لا يريدون مالا ولا سلطانا ولا متاعا ولا قصورا ولا زروعا هم فيما هم فيه عن الخلق غافلون يتركونهم يرتعون في الدنيا وزينتها وهم لا يعرفون من الدنيا سوى بعضهما البعض . فاللهم ارزقنا حبّا للحلال عن الحرام ، وحبّا لمن أحبك ، وحبّا لك يملأ علينا قلوبنا وأبصارنا وأسماعنا إلى أن نلقاك غير راضين بسواك آمين .