الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال
رسالة الطيف للمنشئ 60
رسائل طيف الخيال في الجد والهزل
/ [ 30 / أ ] ربّ ليل كالبحر هولا وكالدّهر * امتدادا وكالمداد سوادا خفته والنجوم يوقدن حتّى * أطفأ الصّبح ذاك الإيقادا « 1 » وقال آخر : كأنّ بين هزيعيه نوى قذفا * أو بعد ما بين قلب الصّب والجلد كأنّما فرقداه في ائتلافهما * يا قوتتا ملك أو ناطرا أسد « 2 »
--> ( 1 ) هذا يصف ليل الحزن والشوق والخوف والجوع والبرد ، والهجر والعشق بعد هجر الحبيب أو بعده بأنه كالبحر الهائج بالأفكار والأهوال ، ويصف طوله كأنه الدهر لا يكاد ينقض ولا يظهر له بشائر صبح ولا ينتظر فيه انفراج . ثم يصف سواده بالحلاكة كما هو الحال في لون المداد أو الحبر الأسود إذ ليس بعد سواده سواد فلا أمل في أن يرى فيه بشره خيرا روكم عانى من تلك الكآبة التي يبحث لها عن حل أو يأمل أن يجد لها فرجا أو معينا يعين له على الخروج من تلك المحنة التي يعاني منها ويصف حاله وحال أيامه أو دهره أو لياليه بأنها تجمعت في هذه الليلة التي تشجع وخاضها على الرغم من أن نجومه تتقد وتشتعل إلى أن خرج من تلك المحنة وجاءه الصباح الذي يريد أو انحل ما به من كرب وذهب ما به من هم وخرج من تلك المحنة ، فوصف أن الصبح أطفأ هذا الوهج ، هذا الاشتعال الذي أخفى النجوم أي أن الفرج أبرد ما كان في نفسه من نار المحنة ، فالحمد للّه على اليسر بعد العسر . ( 2 ) وهذا يصف بعد ما بين طرفي ليله وما يلاقي من المحن والهموم والغموم والكآبة التي تعتريه من كل جانب حتى أنه يجد أفصالا فيما بينه وبين نفسه . ثم يذهب في تشاؤمه وكأن كل شيء قد اتحد على أن يقف ضده أو على أن يحال بينه وبين مناه حتى أن نجوم ذلك الليل تضافرت مع غيرها ، ويريد بالفرقدين النجمين المعروفين بأنهما لا يغربان قد تربصا به كتربص أسد أو ملك قادر فكيف له الخلاص من هذا الأسد أو ذلك الملك ، فهو في حالة شديدة من اليأس . ويقول ابن منظور عن الفرقدين في لسان العرب في مادة فرق : الفرقدان نجمان في السماء لا يغربان ولكنهما يطوفان بالجدي ، وقيل هما كوكبان قريبان من القطب . وقيل : هما كوكبان في بنات نعش الصغرى يقال : لأبكينك الفرقدين حكاه اللحياني عن الكسائي - أي طول طلوعها ، قال : وكذلك النجوم كلها تنتصب على الظرف كقولك : لأبكينك الشمس والقمر والنسر الواقع ، كل هذا يقيمون فيه الأسماء مقام الظروف قال ابن سيدة : أنهم يريدون طول طلوعها فيحذقون اختصارا واتساعا ، وقد قالوا فيهما الفراقد ، كأنهم جعلوا كل جزء منها فرقدا . قال : لقد طال يا سوداء منك المواعد * ودون الجد المأمول منك الفراق قال : وربما قالت العرب لهما : الفرقد قال لبيد : -