الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال
رسالة الطيف للمنشئ 26
رسائل طيف الخيال في الجد والهزل
--> - وكانت موسرة ، فحبسوها في بيتها سنة يرزقونها فيه شيئا معلوما لعلها تكف عما هي عليه إذا ذاقت طعم البؤس وعرفت فضل الغنى ، ثم أخرجوها ، ودفعوا إليها صرمة من مالها ، فأتتها امرأة من هوازن فسألتها ، فقالت لها : دونك الصرمة فقد واللّه مسنا من الجوع ما آليت معه أن لا أمنع سائلا شيئا ، فقالت : لعمري لقد عضني الجوع عضة * فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا فقولا لهذا اللائم الآن اعفني * فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا فهل ما ترون اليوم إلا طبيعة * فكيف بتركي يا ابن أمي الطبائعا قال عدي بن حاتم : كان حاتم رجلا طويل الصمت وكان يقول : إذا كان يكفيك تركه فاتركه . وقالت امرأته النوار : أصابتني سنة اقشعرت لها الأرض ، واغبرت الآفاق ، فضنت المراضيع عن أولادها فما تبض بقطرة ، وراحت الإبل حدبا حدابيس ، وحلقت السنة المال ، وأيقنا أنه الهلاك ، فو اللّه إني لفي صبر الليلة شديدة البرودة بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغي أصبيتنا من الجوع : عبد اللّه ، وعدي وسفانة ، فقام حاتم إلى الصبيين وقمت إلى الصبية ، فو اللّه ما سكتوا إلّا بعد هداة من الليل ، وأقبل يعللني بالحديث فعلمت الذي يريد فتناومت ، فلما تجورت النجوم إذ شيء قد رفع كسر البيت ، فقال : من هذا ؟ فذهب ، ثم عاد فقال : من هذا ؟ فذهب ، ثم عاد في آخر الليل ، فقال : من هذا ؟ فقال : جارتك فلانة أتتك من عند أصبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع فما أجد معولا إلا عليك أبا عدي ، فقال : أعجليهم فقد أشبعك اللّه وإياهم ، فأقامت المرأة تحمل اثنين ويمشي جنباتها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها ، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية ، ثم كشط ، ودفع المدية إلى المرأة وقال شأنك الآن ، فاجتمعوا على اللحم فقال : سوءة أتأكلون دون الصريم ، ثم أقبل يأتيهم بيتا بيتا ويقول : هبوا أيها القوم عليكم بالنار فاجتمعوا ، والتفع ناحية بثوبه ينظر إلينا ، ولا واللّه ، ما ذاق منه مضغة ، وإنه لأحوج إليه منا ، فأصبحنا وما على الأرض إلّا عظم وحافر ، فعذلته على ذلك ، فقال : مهلا نوار أقلي اللوم والعزال * ولا تقولي لشيء فات ما فعلا وأن حاتما أتى ماوية بنت عفزر بخطبها ، فوجد عندها النابغة الذبياني ، ورجلا من البنيت يخطبانها ، فقالت : انقلبوا إلى رحالكم وليقل كل واحد منكما شعرا يذكر فيه فعله ومنصبه فإني متزوجة أكرمكما وأشعركما ، فانطلقوا ونحر كل واحد منهما جزورا ، ولبست ماوية ثياب أمة لها ، وأتبعتهم ، فأنت البنيتي ، فاستطعمته ، فأطعمها ذنب جزور ، فأخذتها . وأتت والنابغة فأطعمها مثل ذلك ، وأتت حاتم فأطعمها عظما من العجز ، وقطعة من السنام وقطعة من الحارك ، فانصرفت وأهدى لها كل رجل منهما باقي جروره ، وأهدى لها حاتم مثل ما أهدى لها واجد من جاراته ، وصبحها النوم ، فأنشدها النابغة : هلا سألت هداك اللّه ما حسبي * إذ الدخان تغش الأشمط البرما إني أتمم أيساري وأمنحهم * مثنى الإيادي وأكسو الجفنة الأدما -