الشريف المرتضى
19
الديوان
الشاعر العالم ويأبى شعر المرتضى وأدبه إلّا أن ينمّ على خلقه ومسلكه في الحياة ، وهو كما لا يخفى مسلك أحد أئمة العلم والديانة ، وهو صاحب مدرسة تخرج فيها كثير من الفقهاء والمتكلمين ، ونلاحظ أن شعره من بعض النواحي مرآة تنطبع على صفحتها أخلاق العالم الخبير بأمور الدنيا ، المرشد المبصر بأمور الآخرة ، ومن المعاني التي تطرق إليها في قصائده ، ذم الدنيا ، وشكوى الزمان ، وذكر المصائب التي تعرض لكثير من ذوى الأقدار والفضيلة فيها ، ويأخذ عليها تنكرها ، وتقلب أحوالها من مكاشفة إلى صداقة ، ومن رفاهية إلى إضاقة ، ومن فرج إلى إعسار ، وما إلى ذلك . ويستوحى معانيه الشعرية من هذا الباب من نظره إلى القبور الدوارس ، وقد أثارت شعوره مرة مرأى المقبرة العتيقة المجاورة لمسجد براثا - صلوات اللّه على صاحبه - فاستوحى خشوعها ودثورها ، ومظهر العبرة فيها بقصيدة حسنة فإذا هو في هذا الموقف ذلك الإمام الذي يأبى إلّا أن ينم عليه شعره ، فكم من شاعر يا ترى مرّ بهذه المقبرة - مقبرة مسجد براثا - قبل الشريف المرتضى وبعده فلم يستوحها ولو ببيت واحد من الشعر ، وفي هذه القصيدة يقول : إني مررت على جنا * دل فوق أرماس دروس فكأنهنّ من البلى * آثار نقس في طروس كم ضمّنت من ضيغم * قرم إلى قنص النّفوس وغرير ماء الوجنتين * كريم ناحية الجليس