الشريف المرتضى
68
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
فإن كانوا قد استعملوا لفظة « مقدر » فيمن مكّن غيره من الأسباب والآلات من غير أن يفعل له قدرة في الحقيقة ، فكذلك « 1 » استعملوا لفظة « معجز » فيمن فعل ما يقدر معه [ على ] الفعل ، من سلب آلة وما جرى مجراها وإن لم يكن فعل عجزا ، غير أنّ التعارف والاصطلاح قد ينقل « 2 » هذه اللّفظة - أعني لفظة « معجز » - عن أصل وضعها ، وجعلوها مستعملة فيما تعذّر على العباد مثله ، سواء كان التعذّر لأنّهم غير قادرين على جنسه ، أو لأنّهم غير متمكّنين من فعل مثله في صفته . وكذلك كان نقل الجبال عن أماكنها ، ومنع الأفلاك من حركاتها معجزا ، كما كان إحياء الموتى ، وإعادة جوارح العمي والزّمنى معجزا ، وإن كان جنس الأوّل مقدورا لهم ، وجنس الثّاني غير مقدور . وإذا صحّ هذا لم يمتنع القول بأنّ القرآن معجز ، من حيث كان وجود مثله في فصاحته وطريقة نظمه متعذّرا على الخلق ، لا اعتبار بما له تعذّر ؛ فإنّ ذلك وإن كان مردودا عندنا إلى الصّرف ، فالتّعذّر حاصل . كما لم يختلف ما تعذّر فعل جنسه ، وما تعذّر فعل مثله في بعض صفاته في الوصف بالإعجاز ، وإن كان سبب التعذّر مختلفا . فإن قال : الأمر وإن كان في لفظة « معجز » أو أصلها وما انتقلت إليه ، على ما ذكرتموه ؛ فإنّ المعجز من شرطه - في الاصطلاح - أن يكون خارقا للعادة ، وإلّا لم يكمل له الوصف بأنّه معجز . وليس القرآن عندكم خارقا للعادة ، اللّهمّ إلّا أن تحملوا نفوسكم على ادّعاء ذلك ، وتتأوّلوا أنّ مثله في الفصاحة والنّظم لمّا لم يقع يجب أن يكون خارقا للعادة . وهذا من التأويل البعيد ؛ لأنّ فصاحته عندكم معتادة فلا كلام فيها ، وطريقته في النّظم - وإن لم تعهد - فهي كالمعهودة من حيث كان
--> ( 1 ) في الأصل : كذلك ، والمناسب ما أثبتناه . ( 2 ) في الأصل : يقال ، وما أثبتناه مناسب للسياق .