الشريف المرتضى

45

الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )

من تعذّر نظم القرآن على العرب ، كما تعذّر على خطيبهم الشّعر ، وعلى شاعرهم الخطابة ، وهذا يغني عن صرفتكم ؟ قيل له : الحمد للّه الذي جعل مذاهب المختلفين في وجه الإعجاز - وإن تفرّعت وتنوّعت - فالقرآن غير خارج بينها من أن يكون معجزا للبريّة ، وعلما على النّبوّة . وجعل ما يتردّد بينهم فيه من المسائل والجوابات - وإن قدحت في صحّة بعض مذاهبهم في تفصيل الإعجاز - فإنّها غير قادحة في أصل الأعجاز وجملة الدّلالة ؛ لأنّه لا فرق بين أن يكون خارقا للعادة بفصاحته دون طريقة نظمه ، أو بنظمه دون فصاحته ، أو يكون متضمّنا للإخبار عن الغيوب ، أو بأن يكون اللّه تعالى صرف عنه العرب وسلبهم العلم به ؛ في أنّه على الوجوه كلّها معجز دالّ على النّبوّة وصدق الدّعوة ، وإن اختلف وجه دلالته بحسب اختلاف الطّرق . وهذا من فضائل القرآن الشّريفة ومراتبه المنيفة ، الّتي ليست لغيره من معجزات الأنبياء عليهم السّلام ؛ لأنّه لا شيء من معجزاتهم إلّا وجهة دلالته واحدة . وما قدح في تلك الجهة أخرجه من الإعجاز . ولو ألحق هذا ملحق بوجوه إعجاز القرآن لم يكن مخطئا ، ولكان قد ذهب مذهبا . ثمّ نعود إلى الجواب عن السؤال ، فنقول : إنّا لو أحلنا في هذا الباب كلّه - نعني في أنّ النّظم لا بدّ من وقوع المساواة فيه ، وأنّه لا يصحّ أن ينفرد بنوع منه من لا يشركه فيه غيره - على موافقة الفريق الّذي كلامنا الآن « 1 » معهم ، وهم الذّاهبون في خرق العادة به إلى الفصاحة ، لكنّا قد وفّينا حجاجهم حقّه ؛ لأنّهم معترفون معنا بأنّ النّظم ليس بمعجز ، ودلالتنا في دفعه واحدة ، لكنّا لا نقتصر على ذلك ، ونورد ما يكون حجاجا للكلّ ، وبرهانا على الجميع .

--> ( 1 ) في الأصل : أمان ، والمناسب ما أثبتناه .