الشريف المرتضى

42

الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )

هذا القول ، وأنّه عنى به : لا نبيّ من البشر كلّهم ، وأراد بالبعد عموم سائر الأوقات المستقبلة ، قريبها وبعيدها ، اتّصل ذلك بنا على حدّ اتّصال اللّفظ ، حتّى شركنا سامعيه في معرفة الفرض ، وكنّا في العلم به كأحدهم . وفي ارتفاع كلّ ذلك من النّقل ، دليل على صحّة قولنا . على أنّ التّحدّي لو كان مقصورا على الفصاحة دون النّظم لوقعت المعارضة من القوم ببعض فصيح شعرهم أو بليغ كلامهم ، لأنّا قد دللنا على أنّ خفاء الفرق علينا بين بعض قصار سور القرآن وفصيح كلام العرب ، يدلّ على التقارب المزيل للإعجاز . والعرب بهذا أعلم وله أنقد ، فكان يجب أن يعارضوا . وإذا لم يفعلوا ، فلأنّهم فهموا من التحدّي الفصاحة وطريقة النّظم ، ولم يجتمعا لهم . فأمّا اختصاص القرآن بنظم مخالف لسائر ضروب الكلام فأوضح من أن يتكلّف الدّلالة عليه . وكلّ سامع للشّعر الموزون والكلام المنثور يعلم أنّ القرآن ليس من نمطهما ، ولا يمكن إضافته إليهما . والدّلالة إنّما تقصد بحيث يتطرّق الشّبهة ، فأمّا في مثل هذا فلا . وأمّا الّذي يدلّ على أنّهم لو لم يصرفوا لعارضوا في الفصاحة والنّظم جميعا ، فقد تقدّم في القول في الفصاحة ما يكفي « 1 » . وأمّا النّظم : فهو ما لا يصحّ التّفاضل فيه والتّزايد في معناه ، ولهذا ترى

--> 5 / 363 ، 7 / 176 ، 10 / 278 ، ومصادر أخرى كثيرة . ولفظ الحديث المتّفق عليه عند الجميع ، أنّه صلّى اللّه عليه وآله قال لعليّ عليه السّلام : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي » . ( 1 ) قال الشريف المرتضى رحمه اللّه في كتابه الذخيرة / 381 : « وممّا يبيّن أنّ التحدّي وقع بالنّظم مضافا إلى الفصاحة : أنّا قد بيّنا مقارنة كثير من القرآن لأفصح كلام العرب في الفصاحة ، ولهذا خفي الفرق علينا من ذلك ، وإن كان غير خاف علينا الفرق فيما ليس بينهما هذا التفاوت الشديد ، فلو لا أنّ النظم معتبر لعارضوا بفصيح شعرهم وبليغ كلامهم » .