الشريف المرتضى

278

الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )

ولو أنّه ادّعى النّبوّة والمزيّة ولم يظهر شيئا يدّعي به الإبانة والتخصيص أكثر من قوله : إنّ التّوراة كلام اللّه تعالى وأنّه يوحى بها إليّ ، لكان يجب على من حاجّه وقصد إلى إبطال أمره أن يساويه فيما احتجّ به ، ويظهر كلاما يدّعي فيه ما ادّعاه موسى عليه السّلام في التوراة ، ليبيّن للنّاس أنّه كغيره وأنّه لا مزيّة له . وليس هكذا نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله ؛ لأنّا نعلم ظهور شيء على يده ، وادّعى به المزيّة والإبانة ، واحتجّ به في جميع الأحوال ، فجرى مجرى القرآن . وليس لأحد أن يقول : فلعلّ تعويله في دلالة نبوّته إنّما كان على معجزاته الّتي ليست بقرآن ، كانشقاق القمر ، والميضأة « 1 » ، وحنين الجذع ، وما شاكل ذلك ، فلا يثبت لكم معنى التحدّي في القرآن من حيث ظهر عليه ، إذا كان قد أغنى عنه في باب الحجّة ؛ وذلك لأنّا قد بيّنا أنّ المعلوم من قصيدة صلّى اللّه عليه وآله في إضافته إلى ربّه تعالى ، وانتظار نزول الملك به طريقة الاحتجاج وادّعاء المزيّة ، فحاله إذن كحال غيره من المعجزات ؛ إن ثبت أنّها ظهرت وادّعى بها النبوّة على حدّ ظهور القرآن . فكيف وليس ذلك بثابت ؛ لأنّه لا شيء من معجزاته - سوى القرآن - يعلم ظهوره واحتجاجه وفزعه إليه على حدّ العلم بالقرآن ؟ ! وإنّما يرجع في إثبات هذه المعجزات إلى ضروب من الاستدلال والطّرق التي يعترضها كثير الشّبهات ، ولا يحتاج إلى شيء منها في القرآن .

--> ( 1 ) الميضأة : الموضع الذي يتوضّأ فيه ، أو المطهرة التي يتوضّأ منها . ذكره المؤلف في فصل ( في الدلالة على صحّة ما عدا القرآن من معجزاته صلوات اللّه عليه وآله ) من كتابه المغني ص 404 ، فقال : « ومنها خبر الميضأة وأنّه وضع يده فيها ، وكان الماء يفور بين أصابعه ، حتّى شرب الخلق الكثير من تلك الميضأة ورووا » . وهذا الخبر مرويّ باختلاف في الألفاظ ، راجع تفصيل ذلك في : بحار الأنوار 17 / 286 ؛ دلائل النبوّة 6 / 132 ؛ مسند أحمد بن حنبل 5 / 398 .