الشريف المرتضى
المقدمة 8
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
القرآن منزل من عنده وليس من اصطناع البشر ، فصدّ العرب عن معارضته ودفعهم عن مجاراته ، أي أنّه منعهم منعا قهريّا أن يأتوا بمثل القرآن ، وصرفهم عنه صرفا مقصودا يدركون معه أنّهم معجزون أمامه ، على الرغم من وفرة قدراتهم البيانيّة وبراعتهم في القول . والواقع أنّ هذه الفكرة قد نشأت - أوّل ما نشأت - في بيئة المتكلّمين منذ أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث ، ذلك أنّ مسألة إعجاز القرآن كانت قضيّة من القضايا الاعتقاديّة المتّصلة بالنبوّة ، وقد استأثرت بالجدل والنقاش ، وهي ممّا يقع في صلب موضوع علم الكلام . وكان المعتزلة - وهم من أبرز من عني بالنظر العقليّ في مسائل الاعتقاد - هم الذين قد نبتت في بيئتهم فكرة الصرفة ، إلى جوار ما شاع بينهم وبين غيرهم من القول بالفصاحة والنظم القرآنيّ المعجز . ويبدو أنّ إبراهيم بن سيّار النظّام ( ت 224 ه ) كبير معتزلة عصره كان أقدم من ذهب هذا المذهب في قوله : « إنّ العرب لم يعجزوا عن معارضة القرآن ، وإنّما صرفهم اللّه عن تلك المعارضة » . لكنّ النظّام لم يعالج هذه الفكرة بشيء من البيان والتفصيل ، أو إنّه قال بها « من غير تحقيق لكيفيّتها وكلام في نصرتها » كما يقول الشريف المرتضى « 1 » . وقد استهوت فكرة الصرفة عددا من تلامذة النظّام ، كان أبرزهم الجاحظ الذي مال إليها على الرغم من إيمانه بتفوّق النظم القرآنيّ الذي ألّف فيه كتابا مستقلّا . لكنّ الجاحظ ، شأنه شأن سلفه النظّام ، لم يكشف عن أبعاد لهذا المذهب ولم يبسط القول فيه ، فلم يفرد له بابا في كتاب ، وإنّما ذكره ذكرا عابرا في معرض حديث له
--> ( 1 ) الذخيرة في علم الكلام 378 .