الشريف المرتضى
102
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
وإذا جاز هذا على الجماعات الكثيرة على وجه من الوجوه ، فقد بطل ما اعترض به السّائل وزالت شناعته . وبعد ، فقد قال القوم للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : لو نشاء لقلنا مثل هذا ؛ وهم يعلمون من أنفسهم ضرورة خلاف ذلك ، ويعلمون أيضا أنّ كلّ سامع لهذا الكلام من الفصحاء يعلم كذبهم فيه ، ولم يمنعهم - وهم كثير - العلم الضّروريّ من ادّعاء خلافه ، فكذلك [ لم ] يمنعهم علمهم بفضل فصاحة القرآن على فصاحتهم من أن يدّعوا في بعض كلامهم أنّه مماثل له . بل إذا جاز عليهم الأوّل - وليس ممّا يدخل به شبهة على أحد - كان الثّاني أولى بالجواز وأحرى ، وهو ممّا يوقع كلّ شبهة ويوجب كلّ شكّ . وهذا بيّن لناظر . فإن قال : هذا القول - وهو : لو نشاء لقلنا مثل هذا - إنّما قاله « 1 » أميّة بن خلف الجمحيّ « 2 » ، والواحد يجوز عليه الإخبار بما يضطرّ إلى خلافه ، إذا فرط غضبه وقويت عصبيّته . وليس كذلك الجماعات الكثيرة ، وكلامنا إنّما هو على جميع الفصحاء الّذين لا يجوز هذا عليهم ! قيل له : إن كان قائل هذا هو أميّة بن خلف الجمحيّ - حسب ما ذكرت - فما رأينا أحدا من الفصحاء كذّبه ولا بكّته « 3 » ، وقد سمعوا كلامه واتّصل بهم ! والإمساك في مثل هذا الموضع وإظهار الرّضا يقوم مقام المشاركة في الدّعوى والتّصديق لها ، فألّا وقعت المعارضة أيضا من أحدهم لقوّة الغضب
--> ( 1 ) في الأصل : قال . ( 2 ) هو أميّة بن خلف بن وهب الجمحيّ القرشيّ ، من سادات قريش وجبابرتها في الجاهليّة ، وأحد رؤوس الشكّ والضلال الذين عارضوا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وحاربوه إيذاء وتكذيبا وسخرية وتعذيبا للمسلمين . شارك في وقعة بدر فأسر ، وتولّى قتله بلال وخبيب . ( 3 ) بكّته : عيّره وقبّح فعله .