الشريف المرتضى

99

الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )

تقع للتعذّر دون شيء من هذه الأعذار المدّعاة . وكان ما قصدنا « 1 » به إلى التعذّر إنّما هو للصّرفة لا لفرط الفصاحة ، فليس يجوز أن تتعلّق بشيء من ذلك وتجعله عذرا في ترك المعارضة الّتي ألزمنا وقوعها من يخالف في الصّرفة ، ويوافق في جملة إعجاز القرآن ، لأنّه راجع عليه وعائد إليه . والجواب عن هذه الشّبهة مستقصى في الكتب ، وقد مضى في أثناء كلامنا في هذا الدليل ما إن حصّل أمكن أن تسقط به جميع هذه الشّبهات ونظائرها . فإن قال قائل : إنّ العرب كانوا يعلمون ضرورة فرق ما بين فصيح كلامهم وفصاحة القرآن ، فكيف تدّعون مع ذلك - في شيء من كلامهم - أنّه مساواة ، والجمع الكثير من العقلاء لا يجوز عليهم ادّعاء ما يضطرّون إلى بطلانه ، وإنكار ما يضطرّون إلى صحّته ؟ ! ولو جاز على الجماعات مثل هذا لم ننكر أن يسأل إنسان بمدينة السّلام عن الجسر « 2 » ، ويسترشد إليه ، فيخبره جميع أهلها أو جمهورهم بأنّه في خلاف جهته ، أو يجحدونه وجود الجسر جملة ! وإذا استحال هذا فالأوّل مثله . قيل له : هذه الدّعوى على النّاس الّتي ذكرتها ، من المتكلّمين ، وجعلوها أسّا وعمادا ، وهي مع ذلك غير صحيحة ، ولا خافية الفساد . وليس يمتنع أن يجتمع العقلاء الكثيرون على إنكار ما يعلمونه ضرورة ، والإخبار بما يعلمون خلافه ضرورة ، إذا اجتلبوا بذلك نفعا ، أو دفعوا به ضررا . لأنّا

--> ( 1 ) في الأصل : قصدنا ، والظاهر ما أثبتناه . ( 2 ) يشقّ نهر دجلة مدينة السّلام بغداد ويجعلها نصفين : الكرخ في الجانب الغربيّ ، والرصافة في الجانب الشرقيّ ، ويربط الجانبين جسر ورد ذكره في كتب التاريخ والخطط ، هو الذي أشار إليه عليّ بن الجهم في رائيّته المشهورة : عيون المها بين الرّصافة والجسر * جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري