الشريف المرتضى

97

الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )

أصوب وأقرب ؛ لأنّهم لم يكونوا أصحاب نظر وفكر ! وإنّما كانت الفصاحة صنعتهم ، والبلاغة طريقتهم ، فعدلوا إلى الحرب الّتي هي أشفى للقوم ، وأحسم للطّمع . وهذا الاعتراض إذا ورد علينا ، كانت كلمة جماعتنا واحدة في ردّه ، وقلنا في جوابه : إنّ العرب وإن لم يكونوا نظّارين ، فلم يكونوا غفلة مجانين ، وفي العقول كلّها - وافرها وناقصها - أنّ مساواة المتحدّي في فعله ومعارضته بمثله ، أبلغ في الاحتجاج عليه من كلّ فعل ، وأقوى في فلّ غربه « 1 » من كلّ قول . وليس يجوز أن تذهب العرب الألبّاء ، عمّا لا يذهب عنه العامّة الأغبياء ! والحرب غير مانعة من المعارضة ، ولا صارفة عن المقابلة . وقد كانوا يستعملون في حروبهم من الارتجاز ما لو جعلوا « 2 » مكانه معارضة القرآن كان أنفع لهم ، وأجدى عليهم . مع أنّه قد تقدّم قبل أوان الحرب من الزّمان ما يتّسع بعضه للمعارضة ، إن كانت الحرب شغلت عنها ، واقتطعت دونها . وهذا بعينه كاف في جواب من يعدّ كفّهم عن المعارضة بما يقارب ويقع به اللّبس على غيرهم ؛ لأنّهم لم يفطنوا لذلك ولم يتنبّهوا عليه ، ولأنّ الحرب كانت عندهم أولى وأحرى . على أنّهم لو قدّموا المعارضة أمام الحرب ، وجعلوها مكان الهجاء والسبّ ، لم يجتمع بإزائهم من يحتاجون إلى محاربته ويجتهدون في مغالبته ، ولاستغنوا بها عن جميع ما تكلّفوه من التعب ، أو أكثره . وفي إطباق الكلّ على الإمساك عن المعارضة أكبر دليل على أنّهم عنها مصروفون ، وعن تعاطيها مقتطعون .

--> ( 1 ) فلّ غربه : أي ثلم حدّ سيفه ، والتعبير مجازيّ ، ويقصد به إفحامه . ( 2 ) في الأصل : جعلوه ، والأنسب ما أثبتناه .