الشريف المرتضى
95
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
المعجز بعد هذا ؟ ! والإعجاز لا يتمّ إلّا بالقطع على تعذّر المعارضة على القوم ، وقصورهم عن المماثلة أو المقاربة . والتّعذّر لا يعلم إلّا بعد حصول العلم بأنّ المعارضة لم تقع مع توفّر الدّواعي وقوّة الأسباب ؛ فكانت حينئذ لا تقع الاستجابة من عاقل ، ولا المؤازرة من متديّن . وليس يحجز العرب عمّا ذكرناه ورع ولا حياء ؛ لأنّا وجدناهم لم يرعووا عن السّبّ والهجاء ، ولم يستحيوا من القذف والافتراء . وليس في ذلك ما يكون حجّة ولا شبهة ، بل هو كاشف عن شدّة حنقهم ، وقوّة عداوتهم ، وأنّ الحيرة قد بلغت بهم إلى استحسان القبيح الّذي كانت نفوسهم تأباه وتعافه ، وطباعهم تشنأه وتنفر منه ! وأخرجهم ضيق الخناق وقصر الباع إلى أن أحضر أحدهم « 1 » أخبار رستم واسفنديار « 2 » ، وجعل يقصّ بها ، ويوهم النّاس أنّه قد عارض ، وأنّ المطلوب بالتحدّي هو القصص والأخبار !
--> ( 1 ) هو النضر بن الحارث بن علقمة القرشيّ ، من شخصيّات قريش وشجعانها في الجاهليّة ، وابن خالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . كان من ألدّ خصوم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله والإسلام ، يقال إنّه كان مطّلعا على كتب الفرس وتواريخهم ، حيث كان أكثر تجارته من بلاد فارس ، فكان يسمع أخبار الفرس وتواريخهم فيقصّها ويرويها لقريش ، ويقول لهم : إنّ محمّدا يحدّثكم بحديث عاد وثمود ، وأنا أحدّثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة ، فكانوا يستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن . وقد نزلت في حقّه عدّة آيات تذمّه وتردّ عليه . قتله أمير المؤمنين عليه السّلام يوم بدر صبرا . ( 2 ) أمّا رستم فهو ابن دستان ، من شجعان فارس المشهورين ومن قادة جيوش الأكاسرة ، وأمّا اسفنديار فهو من ملوك بلاد فارس . ويعدّان من شخصيات الفرس الأسطورية ، وقد خلّد الشاعر الفارسي أبو القاسم الفردوسيّ الطوسيّ ذكر وقائعهما وحروبهما في ملحمته العالميّة الخالدة المسمّاة ب ( شاهنامه ) .