السيد محمد تقي المدرسي

346

الفقه الاسلامي ( أحكام العبادات )

وإذ ينادي الوحي المؤمنين بالسعي للفضيلة وذكر الله - سعياً بالروح قبل الجسد - فلابد لنا أنْ نتحرّر من شتى الآصار والقيود التي تثقلنا وتشدّنا إلى الأرض أولًا ، أنّى كانت مادية أو معنوية ، وهذه الفكرة تفسر لنا العلاقة بين الدعوة للسعي إلى ذكر الله وبين الأمر بترك سائر شؤون الدنيا كالبيع وقت صلاة الجمعة . ولعلّ الإنسان يتحسس للوهلة الأُولى التي يقع فيها فكره على هذا الحكم الإلهي أنّه يخالف مصالحه ، ولكنه إذا ما درسه من أبعاده المختلفة ، وارتقى درجةً في الوعي بحقائق الحياة ، وجده منطوياً على خير الدنيا والآخرة بالنسبة له ، كما وصف القرآن : ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ « 1 » . ومن ذلك الخير وحدة المجتمع المسلم ، وما يتلقّاه من الوعي والهدى في شؤون الدين والدنيا ، حيث خطبتي الصلاة ، وكذلك التوفيقات الإلهية التي يختص بها المصلين المستجيبين لدعوته . ولأن الإسلام جاء منهجاً كاملًا وشاملًا لأبعاد الحياة الإنسانية ، جعله الله متوازناً في أُصوله وأحكامه ، بحيث لا يتضخم بسببه جانب في حياة الإنسان على حساب جانب آخر ، فهو منهج الدنيا والآخرة ، والدين والسياسة ، والروح والجسد ، وحيث تتكامل شخصية الإنسان بالوصول إلى المصالح المشروعة من جانب وبالتزام الواجبات المفروضة من جانب آخر ، فقد دعاه الدين إلى مصالحه جنباً إلى جنب دعوته للالتزام بواجباته ، ولم يجعل فروضه بديلًا عمّا يطمح إليه الناس من المصالح والتطلعات ، ولذا نجد القرآن فور ما يأمر بالسعي إلى صلاة الجمعة يأمر بالانتشار لممارسة الحياة الطبيعية وبلوغ المآرب والأهداف ، والحصول على الرزق ولقمة العيش . وإنّ الدعوة للصلاة يوم الجمعة وتحريم البيع حينها هي منهجية لتأسيس انتشار الإنسان المؤمن لابتغاء فضل الله على هدى القيم والإيمان : فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ « 2 » . وهذه الدعوة المنطوية على الأمر بالسعي لشؤون الدنيا تهدينا إلى أنَّ الصلاة والعبادة ليست بديلًا عن ممارسة الحياة الطبيعية والاجتماعية ، كما فهمها بعض المتصوّفة ، فالدين منهج لتوجيه الإنسان وقيادة الحياة ، يجد الناس فيه فرصة للعبادة ومنهجاً للسعي والعمل . وبعد أنْ يرسم الوحي للمؤمنين الموقف المطلوب تجاه صلاة الجمعة - وهو السعي لذكر الله وترك البيع وقتها - ينثني السياق القرآني لنقد ظاهرة الانفضاض إلى شؤون الدنيا وتقديمها على الصلاة ، ممّا يشير إلى وجود ضعف في الإيمان لدى المجتمع ، وانخفاض في مستوى التفاعل مع شعائر

--> ( 1 ) سورة الجمعة ، آية : 9 . ( 2 ) سورة الجمعة ، آية : 10 .