السيد نعمة الله الجزائري
527
زهر الربيع
الدّهن الصّيني الّذي إذا اندهنت به الجراحات اندملت بسرعة فكان يداوي به الجرحى ولا يأخذ على ذلك أجرة فأقبل عليه النّاس وشاع ذكره فلم يزالا كذلك حتّى طافا جميع الشّام وقصدا إلى قسطنطينيّة فقدماها فذهب الوزير إلى البطرك ومعناه أبو الآباء فدخل عليه وسأله البطرك عن قصده فأخبره أنّه سافر إليه ليتشرّف بخدمته ويدخل في أتباعه وأهدى إليه هديّة نفيسة فقرّبة وأكرمه فوجده عالما بدينهم وجعل الوزير يصاحب البطرك بما يلائمه ويحبّه من نوادر الأخبار والحكايات فحلا بعينه وحلّ بقلبه وهو مع ذلك يعالج الجراحات ولا يأخذ على ذلك عوضا وهو يتعاهد سابور في كلّ وقت إلى أن صنع قيصر وليمة وحضر النّاس إليها على طبقاتهم فأراد سابور حضورها ليطّلع على أحوال قيصر ورتبته في قصره وعظم وليمته فنهاه وزيره عن ذلك فعصاه وتزياّ بزيّ ظنّ أنّه يستتر ودخل دار قيصر مع من حضر الوليمة وكان قيصر من شدّة احتراسه من سابور وخيفته من أن يطرق بلاده فصوّر سابور في مجلسه على ستور بيته وعلى فرشه وفي آلات أكله وشربه ولمّا دخل سابور يوم الوليمة وأستقرّ في مجلسه وأكل مع من حضر فأتوا بالشراب في كئوس البلور والذهب والفضّة والزّجاج وكان في المجلس رجل من حكماء الرّوم ودهانهم فلمّا وقعت عينه على سابور أنكره وجعل يتأمل شخصه فرأى عليه علامات الرّئاسة ولمّا تأمّله جيّدا وصل إليه دور الكاس فتأمّل الصّورة الّتي على الكاس وراجع النّظر في سابور فما شكّ أنّ الصّورة الّتي على الكاس ، وضعت على مثاله وغلب على ظنّه إنه سابور فأمسك الكاس في يده طويلا ثمّ قال أنّ هذه الصّورة الّتي على هذا الكأس تخبرني أخبارا عجيبة تقول أنّ الّذي هي مثال له معنا في المجلس ، وقد نظر إلى سابور فتغيّر لونه حين سمع مقالته فحقّق ظنّه فأدناه قيصر وقرّبه وسأله عن نفسه فتعلّل بضروب من العلل لم تقبل فقال الرّومي أيّها الملك لا تقبل قوله فهدّده قيصر بالقتل فاعترف أنّه سابور فحبسه قيصر مكرّما وأمر أن يعمل له من جلود البقر صورة بقرة وطبّق عليها الجلود سبع طبقات ويتخذ لها باب ويجعل لها كوّة لأجل المبال ويستقرّ سابور فيها وتجمع يداه إلى عنقه بجامعة من الفضّة يمكنه معها تناول الطّعام فلمّا دخل جوف تلك الصّورة جمع قيصر جنوده واستعدّ لغزو بلاد الفرس ووكّل بسابور مائة رجل من ذوي البأس يحملونها وصرف أمرهم إلى مطران وهو خليفة البطرك فكانت تلك الصّورة تحمل بين يديه