السيد نعمة الله الجزائري

63

الأنوار النعمانية

نفور واتّفقوا على انّه إذا جاء إلى المأمون لا يرفعون له الستر أيضا ، فأزدادوا فيه عقيدة ورجعوا إلى خدمته . ومن الأخبار قوله صلّى اللّه عليه وآله لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسّه النار الا تحلّه القسم ، وفي حلّه وجوه : الأول انّ العرب إذا أرادوا تقليل مكث الشيء وتقصير مدّته شبهوه بتحليل القسم ، وذلك ان يقول الرجل بعد حلفه ان شاء اللّه تعالى فيقولون ما يقيم فلان عندنا الّا تحله القسم ، ومعنا لا تمسه النار الا قليلا ، الثاني ما قال بعضهم من أنّ الّا زائدة دخلت للتوكيد وتحلّه القسم منصوب على الوقت والزمان ومعناه فتمسه النار وقت تحلّة القسم الثالث وهو الأظهر أنّ القسم إشارة إلى قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا فمعناه انه لا يرد النار الّا بقدر ما يبر اللّه به قسمه . ومن الأخبار الرقيقة المروحة خبر شقيق البلخي قال : خرجت حاجا في سنة تسع وأربعين ومأة فنزلت القادسية ، فبينا أنا أنظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم فنظرت إلى فتى حسن الوجه فوق ثيابه ثياب من صوف مشتمل بشملة في رجليه نعلان وقد جلس منفردا ، فقلت في نفسي هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلّا على الناس في طريقهم واللّه لأمضيّن اليه ولأوبخنه فدنوت منه ، فلمّا رآني مقبلا قال : يا شقيق اجتنبوا كثيرا من الظنّ انّ بعض الظنّ إثم ، ثمّ تركني ومضى فقلت في نفسي انّ هذا الأمر عظيم قد تكلّم بما في نفسي وتكلّم باسمي وما هذا الّا عبد صالح لألحقنّه ولأسألنّه ان ( يحلّني خ ) يحالنيّ ، فأسرعت في أثره فلم ألحقه وغاب عن عيني فلمّا نزلنا راقصة فإذا هو به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري ، فقلت هذا صاحبي أمضي اليه وأستحلّه ، فصبرت حتّى جلس وأقبلت نحوه ، فلمّا رآني مقبلا قال : يا شقيق أتل وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ثمّ تركني ومضى فقلت انّ هذا الفتى لمن الأبدال لقد تكلّم على سرّي مرتين ، فلمّا نزلنا زبالة إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر وانا أنظر اليه فرأيته قد رمق السماء وسمعته يقول شعرا : أنت ربي إذا ظمئت من الماء * وقوتي إذا أردت الطعاما اللّهم سيّدي مالي غيرها فلا تعدمنيها ، قال شقيق فو اللّه لقد رأيت البئر وقد إرتفع ماؤها فمدّ يده وأخذ الركوة وملأها ماء فتوضأ وصلّى أربع ركعات ثمّ مال اليّ كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحرّكه ويشرب ، فأقبلت اليه وسلّمت عليه فردّ عليّ السّلام فقلت أطعمني من فضل ما أنعم اللّه عليك فقال يا شقيق لم تزل نعمة اللّه علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنّك بربك ، ثمّ ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق وسكّر فو اللّه ما شربت قطّ ألذّ منه ولا أطيب ريحا فشبعت ورويت وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا ثمّ لم أره حتّى دخلنا مكة