السيد نعمة الله الجزائري
53
الأنوار النعمانية
أحوالهم وممّا يقول الناس فيهم ، ولمّا تفحصنا عن أحوالهم باطنا ظهر لنا أنّ ما قاله الناس فيهم حق واقع ولكن ما علمنا طريق أطّلاع الناس على باطن حالهم سوى ما ذكرناه سابقا في تضاعيف الأنوار من أن اللّه سبحانه يرسل ملكا بصورة رجل فيظهر باطن ذلك الرجل للناس حتّى يعرفوه بما هو عليه من الصلاح والفساد ولكن مثل هذا لا يكون برهانا شرعيّا يستدلّ به الدليل الشرعي على ذلك الباطن ، نعم ربّما اتّهم بعض الناس شخصا بريئا ما قيل فيه لكن يظهر للناس بعد حين براءته مما قيل فيه وامّا ما ورد من قولهم عليهم السّلام لا يضرّك ما يقول الناس فيك إذا كنت صالحا عند اللّه فقد عرفت انّ المراد من الناس جمهور المخالفين وهؤلاء إذا كان حال الرجل عندهم حال سوء فهو دليل على حسن حاله عند اللّه . ومن الأخبار ما روي عن الصادق قال انّ العبد لفي فسحة من امره ما بينه وبين أربعين سنة فإذا بلغ أربعين سنة أوحى اللّه عزّ وجلّ إلى ملائكته انّي قد عمّرت عبدي عمرا فغلّظا وشدّدا وتحفظا واكتبا عليه قليل عمله وكثيره وصغيره وكبيره . أقول ما معنى هذا التشديد عليه ؟ وما كان التخفيف عنه قبل الأربعين ؟ قلت : يجوز ان يكون ذلك التخفيف إشارة إلى ما روى من انّ الملك الّذي اسمه رقيب وهو كاتب الحسنات يقول لعتيد وهو كاتب السيئات إذا فعل العبد سيئة ارتقبه لعلّه يتوب فيرتقبه سبع ساعات فان تاب والّا كتبها عليه فيكون هذا الانتظار والأرتقاب فيما قبل الأربعين . ومن الأخبار ما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وآله قال انّ قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء ، وقد ذكر سيّدنا المرتضى أعلى اللّه علاه فيه وجوها : الأول انّه قد ورد في اللغة والشعر الفصيح اطلاق الأصبع على الأثر الحسن ومعناه حينئذ انّه ما من آدميّ الّا وقلبه بين نعمتين جليلتين حسنتين وهي نعم الآخرة لأنهما نوعان ووجه تسمية النعمة أصبعا لأنّه يشار بالأصبع إلى النعمة ، الثاني ما قاله أيضا أو ذكر انه الأوضح والأشبه بمذاهب العرب وهو ان يكون معناه يتيسر تصريف القلوب عليه كما يقال هذا الشيء في خنصري وتحت أصبعي وهو المراد من قوله تعالى وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ الثالث يجوز ان يكون القلب يشتمل عليه جسمان على شكل الأصبعين يحرّكه اللّه تعالى بهما ويقلّبه بهما . أقول ويجوز ان يكون المراد بالأصبعين هنا النقطة السوداء والنقطة البيضاء اللّذان في قلب ابن آدم كما ورد في مستفيض الأخبار وانّ الأولى تتزايد بتزايد الذنوب حتّى يصير القلب كلّه أسود كما أنّ القلب بفعل أعمال البر يبيض شيئا فشيئا حتّى يصير القلب كلّه أبيض ويجوز ان يكون المراد بالأصبعين هنا أو امره تعالى ونواهيه اللذين لا يكون التصديق بهما والأذعان الّا بالقلب فيكون إشارة إلى الأوامر والنواهي ونسخهما في وقت دون آخر ويجوز أن يكون المراد