السيد نعمة الله الجزائري

37

الأنوار النعمانية

على بعض الصفات فيعتقد النائم انّ الّذي يسمعه هو ما يراه فإذا صحّ تأويله على ما يراه فما ذكرناه ان لم يكن ممّا يجوز ان يتّفق فيه الصحّة اتّفاقا فان في المنامات ما يجوز ان يصحّ بالاتفاق وما يضيق فيه مجال نسبته إلى الأتّفاق ، فهذا الّذي ذكرناه يمكن ان يكون وجها فيه . فأن قيل أليس قد قال أبو علي الجبائي في بعض كلامه في المنامات انّ الطبائع لا يجوز أن تكون مؤثّرة فيها لأنّ الطبائع لا يجوز على المذاهب الصحيحة ان تؤثّر في شيء ، وانّه غير ممتنع مع ذلك ان يكون بعض الماكل يكثر عندها المنامات بالعادة كما أنّ فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل ( تخيل ) الإنسان وهو مستيقظ ما لا أصل له ؟ قلنا قد قال ذلك أبو علي وهو خطأ لأنّ تأثيرات المأكل بمجرى العادة على المذاهب الصحيحة إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع فهي من فعل اللّه تعالى فكيف يضيف التخيل الباطل والاعتقاد الفاسد إلى فعل اللّه تعالى ، فأمّا المستيقظ الّذي استشهد به فالكلام فيه والكلام في النائم واحد ، ولا يجوز ان يضيف التخييل الباطل إلى فعل اللّه تعالى في نائم ولا يقظان ، فأمّا ما تخيّل من الفاسد وهو نائم فلا بدّ من أن يكون ناقص العقل في الحال وفاقد التمييز بسهو وما يجري مجراه فيبتدي اعتقاد لا أصل له كما قلناه في النائم . فان قيل فما قولكم في منامات الأنبياء عليهم السّلام ؟ وما السبب في صحّتها حتى عدّ ما يرونه مضاحيا لما يسمعونه من الوحي ؟ قلنا الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحّتها ولا هي ممّا توجب العلم ، وقد يمكن ان يكون اللّه تعالى أعلم النبيّ بوحي يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم أنّي سأريك في منامك في وقت كذا ما يجب ان تعمل عليه فيقطع على صحّته من هذا الوجه لا مجرد رؤيته في المنام ، وعلى هذا الوجه يحمل منام إبراهيم عليه السّلام في ذبح أبنه ، ولولا ما أشرنا اليه كيف كان يقطع إبراهيم عليه السّلام بأنّه متعبد بذبح ولده ثمّ أردف هذا بتأويل حديث من رآني فقد رآني ، ثمّ قال وهذا الّذي رتبناه في المنامات وقسمناه أسدّ تحقيقا من كلّ شيء في أسباب المنامات . فامّا ما يهذي به الفلاسفة في هذا الباب فهو ما تضحك منه الثكلى لأنّهم ينسبون ما صحّ من المنامات لما أعيتهم الحيل في ذكر سببه إلى أنّ النفس أطّلعت على عالمها فأشرقت على ما يكون ، وهذا الّذي يذهبون اليه في حقيقة النفس غير مفهوم ولا مضبوط فكيف إذا أضيف اليه الأطّلاع على عالمها ، وما هذا الاطلاع ؟ وإلى أيّ شيء يشيرون بعالم النفس ؟ ولم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع فكلّ هذا زخرفة ومخرفة لا يتحصّل منها شيء ، وقول صالح قبّة مع أنّه تجاهل محض أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة انتهى كلامه . والمعتمد عندنا هو ما دلّت عليه الأخبار عن الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام لأنّ ما سواها تخمين وخرص روى الصدوق ره باسناده إلى محمّد بن القاسم النوفلي قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام