السيد نعمة الله الجزائري

248

الأنوار النعمانية

واما ثانيا فلانة يوجب القول بأزلية الأرواح وهو مخالف لما ذهب اليه المليون ولما تقرر من أنها حادثة بحدوث البدن . واما ثالثا فلأنه يوجب ان يكون أصل البدن وهو الذرة قديما أزليا وينحصر الحادث في اجزائها الفضلية التي تزيد وتنقص . واما رابعا فلأنه لا يظهر حينئذ وجه لبقائها مستديرة لأن الذرة وهي صغار النمل ليست بمستديرة كما هو المعروف المحسوس الا ان يجعل الأستدارة كناية من انتقالها من حال إلى حال مع بقاءها كما سبق . واما خامسا فلأن تلك الذرات المسئولة في الأزل بعد ما جعلت قابلة للخطاب لكانت في تلك المدة المتطاولة الغير المتناهية كاسبة فأين مكسوباتها وان لم تكن كاسبة بل كانت مهملة معطلة لزم التعطيل مع أنه لا وجه لتعطلها مع بقاءها وبقاء ما تعلقت هي بها وكونها قابلة للخطاب والسؤال والجواب فيلزم ان يكون لكل انسان علوم وكمالات أو نقصان وجهالات غير متناهية مع أنه ليس كذلك . واما سادسا فلأن تلك الذرات لما جعلت عقلاء عارفين للتوحيد يتعلق بكل واحدة منها وجب ان يتذكروا الميثاق لأن اخذه انما يكون حجة على المأخوذ عليه إذا كان ذاكرا له وكيف يجوز ان ينسى الجم الغفير من العقلاء شيئا كانوا عرفوه وأدركوه بحيث لا يذكر شيئا من ذلك واحدا منهم وطول العهد لا يوجب النسيان بهذا الحد ألا ترى ان أهل الآخرة يتذكرون كثيرا من الدنيا يقول أهل الجنة لأهل النار : انا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ولو جاز ان ينسوا ذلك لجاز ان يكون اللّه قد كلف الخلق فيما مضى ثم أعادهم للثواب والعقاب وقد نسوا ذلك وهذا يؤدي إلى الإغراء بالجهل وإلى صحة مذهب التناسخية إذ أقوى الأدلة في الرد عليهم ان النفس المتعلقة بهذا البدن لو كانت منتقلة اليه من بدن آخر لزم ان يتذكر شيئا من أحوال ذلك البدن لأنّ محل العلم والتذكر انما هو جوهر النفس الباقي كما كان مع أنه ليس كذلك وامّا ادّعاء الصوفية تذكره وبقاء لذة الخطاب في آذانهم كما أشار اليه صاحب العرائس ( يص ) بقوله وقد كاشف اللّه قوما حال الخطاب بجماله فطرحهم في هيجان حبّه واسكنه ذلك في كوامن اسرارهم فإذا سمعوا اليوم سماعا تجدد لهم تلك الأحوال والأنزعاج الذي يظهر منهم بتذكر ما سلف لهم من العهد القديم ، فهو باطل عند أهل الأديان بل هو عندهم قسم من الهذيان كادّعائهم انا نسمع حال الرقص والسماع من حورات مقصورات في خيام الجنة ونجامعهن بالجماع المتعارف المعهود فإذا صار وامغشيّا عليهم وقت السماع والطرب اغتسلوا بعد الأفاقة غسل الجنابة .