السيد نعمة الله الجزائري
24
الأنوار النعمانية
ومن الآثار قولهم أنّ سر الحقيقة ممّا لا يمكن أن يقال ، قال البهائي طاب ثراه له محملان أحدهما أنّه يخالف لظاهر الشريعة في نظر العلماء فلا يمكن قوله ، وعلى هذا جرى قول مولانا زين العابدين عليه السّلام : يا ربّ جوهر علم لو أبوح به * لقيل أنت ممّن يعبد الوثنا ولا ستحلّ رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتوا له حسنا الثاني انّ العبارات قاصرة عن أدائه غير وافية ببيانه فكلّ عبارة قريبة إلى الذهن من وجه بعيدة عنه من وجوه ، كلّما أقبل فكري فيك شبرا فرّ ميلا ، وعلى هذا جرى قول بعضهم : وانّ قميصا خيط من نسج تسعة * وعشرين حرفا عن معاليك قاصر ومن هذا يظهر أنّ قولهم إفشاء سرّ الربوبيّة كفر : له محملان أيضا فعلى المحمل الأوّل يراد بالكفر ما يقابل الإسلام ، وعلى المحمل الثاني يراد بالكفر ما يقابل الأظهار إذا الكفر في اللغة الستر ، فيكون معنى الكلام انّ كل ما يقال في كشف الحقيقة فهو سبب لأخفائها وستر لها في الحقيقة . ومن الأخبار ما روي انّه عشش ورشان في شجرة دار رجل ، فلمّا همّت فراخه بالطيران زيّنت له امرأته أخذها ففعل ذلك مرارا فشكا الورشان إلى سليمان عليه السّلام وقال يا رسول اللّه أردت أن يكون لي أولاد من بعدي يذكرون اللّه ، فزجر الرجل ثمّ أخذها بأمر امرأته ، فأعاد الورشان الشكوى ، فقال لشيطانين إذا رأيتماه يصعد الشجرة فشقّاه نصفين ، فلما أراد أن يصعد أعترضه سائل فذهب فأطعمه كسرة من خبز شعير ، ثمّ صعد وأخذ الفراخ ، فشكا الورشان ، فقال لشيطانين فقالا إعترضنا ملكان فأخذا بعنقنا فطرحا في الخافقين . ومن الأخبار اللّطيفة الّتي يروح الخاطر بها عند الملال ما رواه السيّد التقيّ ابن طاووس تغمّده اللّه برحمته في كتابه الأقبال من قوله عليه السّلام لو علم الناس ما في زيارة نصف شعبان من الثواب لقامت ذكور رجال على الخشب ، وقد كنت ليلة من الليالي نائما وشيخنا الثقة صاحب كتاب بحار الأنوار جالس يؤلّف ، فأيقظني من النوم وقال تفكّر في معنى هذا الحديث وقد كان مطرحا بينه وبين من حضر من تلامذته ، فقلت له معناه أنّ الناس لو عملوا قدر ثواب زيارة مولانا الحسين عليه السّلام في نصف شعبان لقامت الرجال الذكور وهو الكاملون من الرجال على أرجل الخشب لو لم يكن لهم أرجل يقدرون بها على التوصل فاستحسنه وقال أنّ السيّد ابن طاووس ذكر غير هذا وهو أنّ معناه لو أنّ الناس علموا ذلك الثواب لتركوا التقية في زيارته عليه السّلام حتّى أنّ حكّام الجور يصلبونهم على الخشب فيقومون مصلّبين على الأخشاب ، فقلت له هذا معنى لكنّ الأنصاف انّ الأوّل أظهر . ومعنى ثالث ظريف سنح لبعض الأفاضل وكان يستحسنه وهو أنّ الناس لو عملوا ذلك الثواب لقامت ذكورهم على