السيد نعمة الله الجزائري

239

الأنوار النعمانية

وحكمه فدعا بمصحف وقال : من يأخذ هذا المصحف يعرضه عليهم ويدعوهم إلى ما فيه فيحيى ما أحياه ويميت ما اماته ؟ قال : وقد شرعت الرماح بين العسكرين حتى لو أراد امرء ان يمشي عليها لمشى ، قال : فقام الفتى وقال : يا أمير المؤمنين انا آخذه واعرضه عليهم وادعوهم إلى ما فيه قال : فأعرض عنه أمير المؤمنين عليه السّلام ثم نادى الثانية من يأخذ هذا المصحف فيعرضه عليهم ويدعوهم إلى ما فيه ؟ فلم يقم اليه أحد ، فقام الفتى وقال : يا أمير المؤمنين انا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه ، قال : فأعرض عنه أمير المؤمنين عليه السّلام ثم نادى الثالثة فلم يقم أحد من الناس الا الفتى فقال / انا آخذه فأعرض عليهم وادعوهم إلى ما فيه فقال : أمير المؤمنين عليه السّلام انك ان فعلت ذلك فانّك مقتول ، فقال : واللّه يا أمير المؤمنين ما شيء أحب إلي من أن ارزق الشهادة بين يديك ان اقتل في طاعتك ، فأعطاه أمير المؤمنين عليه السّلام المصحف فتوجه به نحو عسكرهم فنظر اليه أمير المؤمنين عليه السّلام وقال : انّ الفتى ممّن حشى اللّه قلبه نورا وايمانا وهو مقتول ، ولقد أشفقت عليه من ذلك ولن يفلح القوم بعد قتلهم إياه فمضى الفتى بالمصحف حتّى وقف بإزاء عسكر عاينه ، وطلحة وزبير حينئذ عن يمين الهودج وشماله وكان له صوت فنادى بأعلى صوته معاشر الناس هذا كتب اللّه وانّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام يدعوكم إلى كتاب اللّه والحكم بما انزل اللّه فيه فانيبوا إلى طاعة اللّه والعمل بكتابه قال : وكانت عائشة وطلحة والزبير يسمعون قوله فامسكوا ، فلما رأى ذلك أهل عسكرهم بادروا إلى الفتى والمصحف في يمينه فقطعوا يده اليمنى فتناول المصحف بيده اليسرى وناديهم بأعلى صوته مثل ندائه أول مرة فبادروا اليه وقطعوا يده اليسرى فتناول المصحف واحتضنه ودماؤه تجري عليه وناداهم مثل ذلك فشدّوا عليه وقتلوه ووقع ميتا فقطعوه اربا اربا ولقد رأينا شحم بطنه اصفر . قال : وأمير المؤمنين واقف يراهم فأقبل على أصحابه فقال : انذي واللّه ما كنت في شك ولا لبس من ضلالة القوم وباطلهم ولكن أحببت ان يتبين لكم جميعا ذلك من بعد قتلهم الرجل الصالح حكيم بن جبلة العبدي في رجال الصالحين معه وتضاعف ذنوبهم بهذا الفتى وهو يدعوهم إلى كتاب اللّه والحكم به والعمل بموجبه فبادروا اليه فقتلوه ولا يرتاب بقتلهم إياه مسلم ، ووقدت الحرب واشتدت فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : احملوا بأجمعكم عليهم بسم اللّه الرحمن الرحيم لا ينصرون وحمل هو بنفسه والحسنان وأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله معه فغاص في القوم بنفسه فو اللّه ما كانت الّا ساعة من نهار حتّى رأينا القوم شلايا يمينا وشمالا صرعى تحت سنابك الخيل . ورجع أمير المؤمنين عليه السّلام مؤيّدا منصورا وفتح اللّه عليه ومنحه أكتافهم وأمر بذلك الفتى وجميع من قتل معه فلفوا في ثيابهم بدمائهم ولم تنزع عنهم ثيابهم وصلى عليهم ودفنهم وأمرهم