السيد نعمة الله الجزائري

222

الأنوار النعمانية

الجنس « 24 » فانّهم حسدوني في كلّ بلاد أتيت إليها حتّى انتهى حالهم معي في شيراز إلى أن سرقوا منّي كتبا مليحة بخطّ يدي وقرائتي وحواشي ورموها في البئر حتّى تلفت ثمّ ظهر لي الذي رماها فما كلّمته كلمة واحدة ولا واجهته بشيء حتّى اخلف اللّه تعالى عليّ تلك الكتب وغيرها ولم يملك ذلك الرجل ورقة واحدة وأحوجه إلى سؤال الكفّار ، وانا احمد اللّه سبحانه على انّي لم أر لي محسودا ولا حسدت أحدا وذلك انّ اللّه وله الفضل لم يحوجني إلى الأقران والأمثال ولم يحط مرتبتي عن مراتبهم وهذا من باب اظهار فضل اللّه تعالى وكرمه والّا فالعبد المذنب الجاني ليس له مرتبة ولا درجة . الخامس معاشرة الناس والسلوك معهم وذلك انّ الطبائع مختلفة والآراء متفرقة وكلّ واحد يريد من الإنسان الذي يكون على طريقتنا موافقته في الطبيعة وهذا في غاية الصعوبة مع انّه يؤدي إلى المداهنة والتقرير على المنكر وهما محرّمان اجماعا ومثل هذا ما تيسر لأحد كما روي أن موسى عليه السّلام طلب من اللّه سبحانه ان يرضى عنه عامّة بني إسرائيل حتى لا ينالوا من عرضه ولا يتكلموا في غيبته فقال سبحانه : يا موسى هذه خصلة لم توجد لي فكيف توجد لك وهذا الظاهر فانّ من تامّل وراجع النظر وتصفح أحوال الناس يرى شكايتهم من اللّه تعالى أكثر من شكواهم من السلطان الجائر سفاك الدماء ولا ترى أحدا الّا وهويّتهم اللّه تعالى في قضائه وقدره وهذا يكون كثيرا في أحوال الفقر والمرض وزوال النعم وانتقالات الأحوال . السادس وهو الداء العضال والذي نغّص علينا العيش وكدّر الصافي منه مع أنه لا يوجد وهو انّه ابتلينا بالتوطن في بلاد ليس فيها مجتهد ولا مفت حتّى نحيل الناس عليه وإذا سألوا منّا ما يحتاجون اليه في أمور عباداتهم ومعاملاتهم فربّما أشكل الحال واحتاج المقام إلى معاونة الآراء . وان قلت انّ هذه المسئلة لا تخلو من اشكال لا يقبل منك ويقولون كيف يشكل عليك شيء وأنت فلان الذي عندك من الكتب كذا وكذا وقرأت عند فلان وفلان وهو المطلع على الأسرار والضمائر انّي انزوي عن الناس في أكثر الأوقات وأغلق الباب بيني وبينهم لهذا وأمثاله والهمّ

--> ( 24 ) العلماء صنفان علماء الدنيا وعلماء الآخرة والمراد من الصنف الأول من كان غرضه من العلم هو الدنيا وهدفه من تحصيله الشهرة والرياسة وحب الجاه وطلب الوقع في قلوب الناس وابتغاء اقبالهم اليه . والمراد من الصنف الثاني هو العارفون باللّه تعالى وبصفاته وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والراغبون في الآخرة والمعرضون عن الدنيا والزاهدون فيهما والعاملون بمقتضى عملهم وتعبير أوجز بهم : ان وصفتهم العلم والعمل . وقد تجدهم الشهرة والرياسة والمرجعية قهرا مع فرارهم عنها فرار الغنم من الذئب ولا يحومون حول الأسباب المفضية إليها أصلا .