السيد نعمة الله الجزائري

212

الأنوار النعمانية

فمضينا إلى البصرة وكان سلطانها في ذلك الوقت حسين باشا فبقينا فيها نقرأ عند رجل فاضل من اجلاء السادة فبقينا مدّة قليلة . ثم إن وادلي ره تبعنا فأتى ليأخذه إلى الجزائر فاظهر لنا الرغبة إلى ما أراد فأتينا إلى سفينة واستأجرنا مكانا فيها من غير خبر والدي فركبنا فيها وسافرنا إلى شيراز فخرجنا من السفينة إلى بندر حماد واستأجرت انا وأخي دابّة واحدة لقلة ما عندنا من الدراهم وذلك الطريق صعب جدا من جهة الجبال فقطعت تلك الجبال كلها وانا حافي الأقدام وكان عمري في ذلك اليوم يقارب الأحدى عشر سنة ، فوصلنا إلى شيراز صلاة الصبح فمضينا إلى بيت ذلك الشيخ الذي كان معنا وكان منزله بعيدا من مدرسة المنصورية ونحن كنا نريد السكنى فيها لأنّ لأنّ بعض أقاربنا كان فيها ، فقال لنا ذلك الشيخ : خذوا الطريق واسألوا وقولوا مدرسة المنصورية ( ميخواهيم ) ومعناه بالعربية نريدها ، فمضينا نمشي فحفظت انا كلمة وأخي كلمة أخرى فكنّا إذا سئلنا قال أحدنا مدرسة المنصورية وقال الآخر ( ميخواهيم ) فوصلنا إلى تلك المدرسة فجلست انا في الباب ودخل أخي إليها فكان كلّ من يخرج من طلبة العلم ويراني يرق لحالي وما أصابني من آثار التعب . فلما وجدنا صديقنا قعدنا معه في حجرته وأخذنا في اليوم الآخر لزيارة رجل فاضل وهو الشيخ البحراني فكان يدرّس في شرح الفيّة بن مالك فسلّمنا عليه وأمر لنا بالجلوس فلما فرغ سألنا من اين القدوم ؟ فحكينا له الأحوال فقام معنا فأخذني وراء أسطوانة المسجد فلزم اذني وعركها عركا شديدا وقال : ايّها الولدان لم تجعل نفسك شيخا للعرب وتحب الرئاسة فيضيع به وقتك تصير رجلا فاضلا فلزمت كلامه وأنزويت عن الأحباب والأخلّاء في وقت قرائتي فمضى معنا إلى متولّي المدرسة فعيّن لنا شيئا قليلا لا يفي بوجه من الوجوه ثمّ شرعنا قراءة الدرس عند ذلك الشيخ وعند غيره . فلما مضت لنا أيام قلائل قال لي أخي وصديقي : ينبغي ان نرجع إلى الجزائر لأنّ المعاش قد ضاق علينا فقلت لهم : انا اكتب بالأجرة واعبر اوقاتي فكتبت بالأجرة لمعاشي وكاغذى وما احتاج اليه وكنت أيضا اكتب أربعة دروس للقرائة واحشيها وأصحّحها وحدي وكان حالي في وقت الصيف الحار انّ طلبة العلم يصعدون إلى سطح المدرسة وانا أغلق باب الحجرة وأشرع في المطالعة والحواشي وتصحيح الدرس إلى أن يناجي المؤذن قريب وقت الصبح ، ثم أضع وجهي على الكتاب وأنام لحظة فإذا طلع الصبح شرعت في التدريس إلى وقت الظهر فإذا اذن المؤذن قمت أسعى إلى درسي التي أقرأها فربما أخذت قطعة خبز من دكان الخباز في طريقي فآكلها وانا امشي وفي أغلب الأوقات ما كان يحصل فأبقى إلى الليل ، وكنت في أكثر أحوالي إذا جاء الليل لم اعلم انّي أكلت شيئا في النهار أم لا فإذا تفكرت تحقّقته انّي لم آكل شيئا ، فأتى لي زمان ما كان