السيد نعمة الله الجزائري

148

الأنوار النعمانية

فأرى مكانه من الجنّة ، فقال : يا رب اقبضني إليك ، فقبض ملك الموت روحه ودفنه في القبر وسوي عليه التراب ، قال : وكان الذي يحفر القبر ملك في صورة آدمي فلذلك لا يعرف قبر موسى عليه السّلام . وفي حديث آخر انّ موسى عليه السّلام لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه فأعوره فقال : رب انّك أرسلتني إلى عبد لا يحب الموت ، فأوحى اللّه اليه أن ضع يدك على متن ثور ولك بكل شعرة وارتها يدك سنة ، فقال : ثمّ ما ذا قال : الموت فقال : انته إلى امر ربك . واما المسيح عليه السّلام فقد فرّ من الموت والتجأ إلى اللّه سبحانه حتّى رفعه اليه فهو الآن في عالم الملكوت ويهبط إلى الأرض زمان خروج المهدي عليه السّلام كما تقدم مفصلا في بابه ، لكن إذا أردت من استقبل الموت ولم يخف منه فهما الأخوان المباركان النبي صلّى اللّه عليه وآله واخوه علي بن أبي طالب عليه السّلام أما النبي صلّى اللّه عليه وآله فقد ارسل اللّه سبحانه اليه ملكا في زمن مرضه ومعه بغلة عليها مفاتيح خزائن الأرض ، فقال له : انّ اللّه ارسلني إليك بهذه المفاتيح لتكون ملكا في الدنيا ولا ينقص عليك شيئا من حظّ الآخرة فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله أريد لقاء ربي ، وما قال هذا الّا لما عرف من إرادة الحبيب لقائه . وامّا سيد الموحدين عليه السّلام فقد كان يباشر الحروب بثياب بدنه حتّى انّ ابنه الحسن عليه السّلام قال له في لبس الدرع فقال : يا بني واللّه لا يبالي أبوك أعلى الموت وقع أم وقع الموت عليه واللّه لأبن أبي طالب آنس بالموت من الطّفل بثدي امّه ، ولمّا ضربه ابن ملجم لعنه اللّه قال : فزت ورب الكعبة ، وفي تلك الليلة كان يكرر النظر إلى السماء ويقول : ما يمنع قاتلي عن قتلي ، وكان قد ترك خضاب لحيته حتّى كانت بيضاء فقيل له في ذلك ؟ فقال : ان حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أخبرني انّ لحيتي ستخضب من دم رأسي فأنا منتظر لذلك الخضاب فانظر إلى رجل جعل زينته وخضابه دم مفرق رأسه وكان يقول واللّه ليضرب الرجل ألف ضربة بالسيف على رأسه خير من أن يقال فيه انّه مات على فراشه ، يعني ينبغي للرجل ان يقتل في سبيل اللّه لا ان يموت موتا . وقد اقتدى بهذين الأخوين أولادهم الطاهرون ( ع ) ، وناهيك به مبادرة مولانا أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام إلى العراق عارفا بقدومه على الموت والقتل سامعا لصوت قائل يقول : تسير هؤلاء القوم والمنايا تسير معهم ، ولمّا قرب إلى العراق وسمع بقتل ابن عمّه مسلم بن عقيل وهاني بن عروة أشار اليه أصحابه بالرجوع فقال : لا خير في الحياة بعد هؤلاء الفتية ، فأقبل بأهل بيته وفتيته مبادرا إلى الموت مثل مبادرة الظمئان إلى الماء الزلال ، فجالدهم بسيفه حتى افنى منهم الجمّ الغفير إلى أن تكاثروا عليه فخرج إلى لقاء ربه شاكيا من هذه الأمة وفعالها ، راغبا عن قيل الدنيا وقالها ، وتبعه على هذا الأثر أولاده المعصومون فما منهم الّا وقتيل أو مسموم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .