السيد نعمة الله الجزائري
142
الأنوار النعمانية
وهذا اللوح هو المسمّى في لسان الشرع بأمّ الكتاب في قوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ، يعني انّه لا يدخله محو ولا اثبات . نعم إذا بلغ بك البحث إلى هنا فليكن هذا حدّك ولا تلج في اللجّة العميقة التي بعد هذا الكلام فإنك إذا وضعت قدمك خارج هذه المقالة دحضت بك المزالق في بحر لجيّ بعيد قعره كثير الحيات والأفاعي اسود الجوف والماء غرق فيه عالم كثير وكلّما أمكنك التنحي عن ساحله فابعد عنه ، وإياك والفكر فيه فان الفكر الذي نهى عنه سيد العارفين مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام وهو يتصل ببحر القضاء والقدر . واما الجواب عن قول المعتزلة ان القتل لو كان هو الأجل لم يكن القاتل جانيا ولما استحق الذم فهو ان نقول القاتل انّما استحق هذا باعتبار انّه أوصل هذا الألم اليه وكان الواجب عليه تركه حتى يكون الموصل اليه ذلك الألم هو اللّه سبحانه وتعالى لأنّ ايصال هذا الألم مقصور على اللّه عزّ وجلّ لإيصال أنواع المثوبات اليه وذلك القاتل لو لم يقتله لمات ذلك الوقت ، وكان الواجب عليه ان يدعه وربذه في قبض روحه ، وهذا ظاهر لا غبار عليه ومن تصفّح الأمور الواقعة في هذا العالم جزم بأنّ الآجال أمور مقرّرة موقوفة على البلوغ إلى حد كمالها . ومن تلك الأمور انّ جماعة من اللصوص دخلوا دار رجل في الليل ليسرقوه فلما دخلوا الدار رأوا ان ذلك الرجل له ولد رضيع مشدود في المهد ، فقالوا : نخاف ان يبكي ويستيقظ أمّه وأبوه من بكائه ، فأخذوا ذلك الولد في المهد وأخرجوه من الدار ووضعوه خارج الحوش ، وشرعوا في نقل أثاث البيت ووضعه في الحوش ، فلمّا فرغوا من نقل الأثاث رجعوا إلى داخل البيت لعله ان يكون قد بقي شيء ، فلما دخلوا استيقظت المرأة لولدها فلم تره ، فقال لزوجها اين المهد ؟ فخرجا إلى الحوش يطلبون الولد ، فلما خرجوا من البيت وإذا البيت قد وقع سقفه وجدرانه فرأوا الولد في المهد مع جميع أثاث البيت ، فلما أصبح الصباح حفروا التراب وإذا اللصوص أموات ، فانظر إلى هذا التقدير الأزلي كيف وافق الحكمة الألهيّة . ومن تلك الأمور انّ رجلا عالما من علماء تستر وكان صاحبا لنا كان بيته على جرف الشط وكان الجرف عاليا ، فكان ليلة من اللّيال قدموا اليه طعاما فجلس ، هو وأهله وأولاده ليأكلون ، فاتفق انّهم نسوا احضار الملح ، فقال لزوجته : أحضري الملح ، فقامت ومضت فابطئت ، فتبعها الولد وأبطأ وقامت البنت أيضا وتبعتهم الجارية وهم يريدون الإتيان بالملح من الحجرة الأخرى ، فتعجب ذلك العالم وخرج في اثرهم فلما وضع رجله خارج العتبة انهالت الحجرة في الماء مع ما فيها وكان بين الأرض والماء ما يقرب من طول المنارة ، فسلموا كلهم بحمد اللّه سبحانه ، وفي هذا التاريخ بعضهم موجود في شيراز .