السيد نعمة الله الجزائري

13

الأنوار النعمانية

فلمّا أنشد هذين الشعرين قال أريد الجائزة ولاية مصر سبع سنين ، فكأنّ الخليفة أستكثرها ، فقال وزيره أكتب له عهدا على ولاية مصر ولا يبقى لك الّا الذكر الجميل ، وهذا الرجل لا يبقى في الدّنيا أكثر من سبع أيام : فقال له الخليفة وكيف ذلك ؟ قال لأنّه لمّا شرع في التفكر أخذ في تعداد أشعار العرب فلم يجد هذا المثل ثمّ أخذ في الأحاديث وعدّها فلم يجده أيضا ، فأخذ في القرآن وتصفّحه على خاطره حتّى بلغ إلى سورة النور فوجد هذا المثل فيها وقد احترقت طبيعته من قوّة هذه التخيّلات الكثيرة في اللحظة الواحدة ، فلونه هذا يدلّ على أنّ حياته لا تكون أكثر من سبعة أيّام ، فقال أبو تمام قد صدق فيما قال والآجال بيد اللّه تعالى فكتب الخليفة أحكاما على ولاية مصر فأخذها وأراد المسير إليها فمات في اليوم السابع ، ومثل هذا قد وقع كثيرا ومن الأشعار قول سيّد العشّاق : فأمّا عن هوى ليلي وتركى * زيارتها فانّي لا أتوب وذلك لأن ظاهره انّه لا يتوب عن ترك الزيارة وهو معنى فاسد ، ومن ثمّ قال بعضهم ان الرواية يجب أن يكون وحتّى زيارتها ، ولكن الّذي وجدناه في ديوانه وتوجّه المحقّقون إلى تحقيق معناه هو لفظ الترك ، وقد ذكر له وجوه : أحدها انّ المراد بالواو في وتركي واو الحال ، والمعنى انّي لا أتوب في حال كوني تاركا لزيارتها من عدم تمكني منه ، وثانيها انّي لا أتوب عن ترك الزيارة لأنّي لم أفعله ولا توبة عمّا لم يفعل . وثالثها وهو الصواب ما ذكره بن الحاجب في أماليه حيث قال وتوجيهه انّ ذكر الترك لبيان ما يطلب منه ، ثمّ قال فانّي لا أتوب ممّا يطلب منّي تركه ، ألا ترى انّه لو قال : وامّا من هوى ليلى وتوبتي من زيارتها فانّى لا أتوب لكان مستقيما على انّ المعنى فانّى لا أتوب ممّا تطلب منّى التوبة منه لا على معنى فانّى لا أتوب من توبتي ، إذ لا فرق بين ان يقول وتركي زيارتها أو توبتي من زيارتها انتهى ، وقبله : ذكرتك والحجيج لهم ضجيج * بمكّة والقلوب لها وجوب فقلت ونحن في بلاد حرام * به للّه أخلصت القلوب أتوب إليك يا رحمن ممّا * أسأت فقد تكاثرت الذنوب فامّا عن هوى ليلي وتركي * زيارتها فانّي لا أتوب فكيف وعندها قلبي رهين * أتوب إليك منها أو أنيب ومن الأشعار قوله : قال زيد سمعت صاحب بكر * قايل قد وقعت في اللأواء