السيد نعمة الله الجزائري
76
الأنوار النعمانية
ارض هو أقرب ، فلمّا مسحوا الأرض وجدوه إلى ارض التوبة أقرب بذراع أو بشبر فتبادرت اليه ملائكة الرحمة فقبضوا روحه في خبر آخر انّ الملائكة لمّا قصدوا إلى مساحة ارض التّوبة فطويت بعد ما كانت ابعد من تلك الأرض وهذا حاله مع المذنبين . وبالجملة فكل بلاء الإنسان ومصائبه انّما هو من الدنيا والميل إليها حتى انّه سأل بعض العارفين عن الطّريق إلى اللّه تعالى فقال خطوتان وقد وصلت خطوة على النّفس وخطوة على الدنيا ، فسمع بعض أهل العرفان هذا الكلام فقال طوّل ما قصر اللّه بل خطوة على النّفس وقد وصلت لأنّ الدنيا تصير حجابا للعبد بواسطة النّفس وهو تعالى الستّار على عبده . روي انّ بعض الأنبياء سرق له حمار فقال الهي أنا نبيك سرق حماري فأطلعني عليه ، فأوحى اللّه تعالى انّ الرجل الذي سرق حمارك سألني ان استره وأنا لا أردّه ولا أردّك فخذ منّي حمارا آخر حتى لا يفتضح ذلك الرجل ، وبالجملة فاستقصاء الكلام في الدنيا وتقلباتها وأحوالها يحتاج إلى تأليف كتاب منفرد ، نعم انّ من جملة الدّنيا أسباب الميل إليها لذاتها فلا بأس بذكرها في نور على حده . ( نور في لذات الدنيا بأنواعها ) وبيان انّه لا لذة في الدّنيا وانّ ما فيها من اللّذات انّما هو دفع آفة بآفة أخرى اعلم أن الدنيا كما عرفت بيت ضيق مظلم قد اجتمعت فيه أنواع المخلوقات وأصنافها ففيه الحيات والعقارب والسباع والذئاب الضّواري وكلها قد قصدت ابن آدم وهو معها في ذلك البيت الضيق وهو يراها قاصدة اليه ، وقد وضع امامه شيء من الخبز ليأكله ، فيأكل وينظر إلى ما معه في ذلك المنزل الضّيق من الأفاعي والسّباع والعقارب وهي جوعانة وليس لها شيء تأكله سوى لحوم ابن آدم ، فالأنسان من الجوع يأكل ما أمامه من الخبز لكنه ينظر إلى ما معه من السّباع في حال أكله مترقّبا حين بعد حين لوصولها اليه ، واهلاكها إياه ، فمن كان هذا حاله كيف يلتذّ بأكل أم بشرب أم بنكاح أم بلباس ، ولو فتحت عيني قلبك الذي تبصر به لوجدت حالك في الدنيا هو هذا بل أنت أسوء حالا ، اما العقارب فهم اقاربك الذين منهم من يتمنى موتك للميراث ، ومنهم من يريده حسدا لك حيث فضّلت عليهم امّا بأمور دنيوية أو أخروية ، ومنهم من يريد يتزوج بزوجتك بعدك إلى غير ذلك من الأغراض ، ويا ليتهم مثل العقارب فان الأغلب في العقرب واشباهه انّما يلدغ إذا أوذي وتعدى الإنسان عليه مع انّ لدغته تبرى في يوم واحد وامّا الأقارب وما يصل إليك في كل يوم من أنواع لسعهم وأذّيتهم فهو مما لا غاية له ولا نهاية لأمده إلى الموت .