السيد نعمة الله الجزائري
51
الأنوار النعمانية
اللّه سبحانه انّما غيّب الصّديق عن أبيه يعقوب لمكان افراطه في حبّه حتى انّه إذا ادخل البيت غير صاحبه وقد سأل الصادق عليه السّلام عن العشق فقال تلك قلوب خلت من محبّة اللّه فأذاقها اللّه حلاوة غيره . وبالجملة فالإفراط في المحبّة على القدر المأمور به يكون شركا لأنّه قد أشرك مع اللّه غيره في الحب والوداد من هنا جاء الأمر منه سبحانه بخلع حبّ الدنيا عن القلب وقد جاء في الرواية في قول إبراهيم عليه السّلام ربّ أرني كيف تحيي الموتى الآية انّ اللّه عزّ وجلّ امر إبراهيم ان يزور عبدا من عباده الصالحين فزاره فلمّا كلّمه قال له : انّ للّه تعالى في الدنيا عبدا يقال له إبراهيم اتّخذه خليلا فقال إبراهيم وما علامة ذلك العبد ؟ قال : يحيي له الموتى ، قال : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي على الخلّة ، ويقال انّه أراد ان يكون له في ذلك معجزة كما كانت للرّسل وانّ إبراهيم سأل ربه عزّ وجلّ ان يحيي له الميّت فأمره اللّه عزّ وجلّ ان يميت لأجله الحي سواء بسواء وهو انّه امره بذبح ابنه إسماعيل وانّ اللّه عزّ وجلّ امر إبراهيم بذبح أربعة من الطير : طاووسا ونسرا وديكا وبطّا ، فالطّاووس يريد به زينة الدّنيا ، والنّسر يريد به الأمل الطّويل ، والبطّ يريد به الحرص ، والدّيك يريد به الشهوة ويقول عزّ وجل ان أردت ان يحيي قلب وتطمئن معي فأخرج عن هذه الأشياء الأربعة فإذا كانت هذه الأشياء في قلب فإنّه لا يطمئن معي ، وروي عن العالم عليه السّلام في تفسير قوله تعالى فاخلع نعليك انّك بالواد المقدّس انّ المراد انزع حبّ قلبك عن أهلك فإنّ الزوجة تشبه بالنّعل والنّعل الآخر هم الأولاد فقد أمر حالة اللّقاء ( لقائه خ ل ) مع المحبوب الحقيقي بخلع ما سواه من الأحباب ، وأمّا ايضاح هذه الطّيور الأربعة . فاعلم انّ الطّاووس طائر معروف وهو يحبّ الزهو بنفسه والخيلاء والإعجاب بريشه وعقدة لذنبه كالطّاق لا سيّما إذا كانت الأنثى ناظرة اليه وقيل أعجب الأمور انّه مع حسنه يتشأم به وقيل انّ السبب فيه انّه ادخل إبليس إلى الجنّة فأخرج آدم منها فصار سببا لخلو الدّار من أهلها فلذاكره النّاس اقامته في الدّور . وروي أن آدم عليه السّلام لمّا غرس الكرمة جاء إبليس فذبح عليها طاووسا فشربت دمه فلمّا طلعت أوراقها ذبح عليها قردا فربت دمه ، فلمّا طلعت ثمرتها ذبح عليها أسد فشربت دمه ، فلمّا انتهت ثمرتها ذبح عليها خنزيرا فشربت دمه فلهذا شارب الخمر تعتريه هذه الأوصاف الأربعة ، وذلك انّه أول ما يشربها وتدب في أعضائه يزهو لونه ويحسن كما يحسن الطّاووس وإذا جاء مبادئ السكر لعب وصفق ورقص كما يفعل القرد ، وإذا قوي سكره جاء بصفة الأسد فيعبث ويهتزي بما لا فائدة فيه ثم ينقعص كما ينقعص الخنزير ويطلب النوم ويخل عزم قوته ، وامّا النّسر فهو من أطول الطّير عمرا يقال انّه يعمر ألف سنة وسمّي نسرا لأنّه ينسر الشيء ويبتلعه .