السيد نعمة الله الجزائري
42
الأنوار النعمانية
وأنت اتخذت الاثنين فما أقل حيائك ومن معبوديك أيضا القصاص عليك كما قال عليه السّلام : من استمع إلى قائل فقد عبده فإن كان يحدث عن اللّه فقد عبد اللّه وان كان يحدث عن الشيطان فقد عبد الشيطان ، والمراد بتحديثه عن الشيطان نقله الحكايات الكذب أو هجاء المؤمنين أو غيبتهم أو نحو ذلك ، فما تعارف في هذه الاعصار من نقل حكايات أهل القصص التي وضعوها كقصة رستم وعنتر ، وحمزه وأشباهها فالسامع لها عابد للشيطان ولعلك تظن ان العبادة انما هي الصلاة واضربها وهذا ظن غلط فإنك قد سمعت قوله تعالى في شأن أهل الكتابين أهل أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه ، قال عليه السّلام : واللّه ما صلوا لهم وما صاموا لهم ولوا دعوهم اليهما ما قبلوا ولكن أحلوا لهم حراما ، وحرموا عليهم حلالا فقبلوا أقوالهم فمن قال : إنهم أربابا لهم وقال تعالى مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ * فقد جعل سبحانه إرادات النفس وأمنياتها الباطلة إلها ، فأنت أيها المصلي إذا كان لك كل هؤلاء الالهه والمعبودين كيف لم تجر على مواجهة واحد منها بالكذب ، وما تجرئت الا على جنابه تعالى تقول لا أعبد إلا أنت ولا أطيع أحد سواك ، فكأنك ظننت ان هذا أعجز من جميع الهتك حتى خصصته بالكذب عليه دون باقي آلهتك ، ويجوز ان يكون الوجه فيه انك قصرت عبادتك الصادقة عليها ، وذلك انها وان كان آلهة متعددة الا أنها ترجع إلى أصل واحد حتى القصاص الذي يقص عليك الأباطيل فقد روى أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم لما أتى بالقران معجزة وفيه القصص الماضية والأخبارات قال : كفار قريش انا نقدر على مثل هذا وكان جماعة منهم يرجون في التجارات إلى بلاد العجم فسمعوهم عن عنتر وأمثاله ، فكتبوا تلك القصص وعرّبوها وآتوا بها إلى مكة ليعارضوا بها قصص القرآن فنزل قوله تعالى ذاما لهم وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فقد كانوا يبذلون الأموال لمن ينقل إليهم قصة من تلك القصص الكاذبة ليفتنوا الناس عن متابعة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأن هذا القرآن ليس بإعجازه للقدرة على الإتيان بمثله ، وأنى لهم ذلك واما قولك إياك نستعين على طريق الحصر فأنت أكذب فيه من الأول لأنك إذا رجعت إلى وجدانك وحالاتك ترى انك تستعين غيره في كل أمورك ، وتجعله سبحانه آخر من تستعين به فإنك إذا جبهت من عند المخلوقين وأيست من الاستعانة بهم بعد ما ألتمستها رجعت وقلت الحكم للّه نستعين باللّه وهذا أحد معاني قول مولانا زين العابدين عليه السّلام في دعاء الصحيفة اللهم يا منتهى مطلب الحاجات ولو استعنت به أولا كفاك مهماتك ولم يحوجك إلى أمثالك ونقل الثقاة ان محمود بن عمر الخوارزمي لما صنّف تفسيره الكشّاف حمله وأتى به إلى الغزالي ليمده بالألطاف والأنصاف فلما جلس عنده ونقل له سبب مجيئه اليه قال له الغزالي : كيف فسرت إياك نستعين فقال : قلت إن تقديم المفعول يفيد الأنحصار فقال : إذا أنت من علماء القشر فرجع الخوارزمي نادما على ما فعل ، ولو تأملّت بهذا الكذب الخفي لوجدته أضرّ بأحوالك من ذلك الكذب الجلي