السيد نعمة الله الجزائري

29

الأنوار النعمانية

المصري رأى ( رجلا خ ) عبدا اسود متزرّا بأزار يتبختر عند البيت في جماعة من أتباعه ، فقال من أنت وما هذا التبختر ؟ قال كيف لا أتبختر وأنا عبد ملك مكة ، قال ذو النون فأنا بالتّبختر أولى لي منك فإنّي عبد ملك الناس ويوم الدين ، وبالجملة فأنواع التكبّر كثيرة وأكثرها يرجع إلى القصد والنية ، وكلها تشترك في ذلك العذاب الشديد نعوذ باللّه من سيئات الأعمال ومساوىء الأخلاق . ( نور يكشف عن تحريم معونة الظالمين مطلقا ) اعلم ايّدك اللّه وسددك وإلى كل خير وفقك وأرشدك ان المقصود من ايجاد هذا العالم انّما هو التّعاون على البر والتقوى وقضاء مآرب بعضهم بعضا حتّى يتم أمر الاجتماع والأئتلاف ، ومن ثمّ ورد الحث على مثل هذا حتّى في الأمور القليلة ، فقال سبحانه فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ، الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ ، وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ والمراد بالماعون الالآت التي يحتاج إليها الجيران والمؤمنون مثل الظروف والفروش والفأس والمسحاة وغيرها ، فقرن من منع جيرانه وإخوانه من إعارة هذه الأمور بالمرائي الذي جعل له الويل ، وهو واد في جهنم ، وفي ظاهره دلالة على وجوب إعارة هذه الالآت ، وحيث انعقد الإجماع على الاستحباب قلنا به والّا فالقول بالوجوب لا يخلو من وجه خصوصا إذا استلزم الهوان به وقصد تحقيره ومذلته ، فان القول بتحريم المنع قوي جدا ، لما عرفت في النور السابق ، ولا ريب ان الظلم والتّعدي ممّا يخل بنظام نوع الإنسان ، إذ فيه تفريق ما أجتمع ومن ثم وقع في الشّرع الأمر بالأخذ على يدي الظالم فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أنصر أخاك ظالما كان أو مظلوما ، فقيل يا رسول اللّه ننصره مظلوما فما بالنا ننصره ظالما ؟ فقال : خذوا على يديه وامنعوه عن الظلم فهذه نصرتكم لأخيكم ، وكما حرّم الظلم حرّم معونة الظالمين أمّا الذي له مدخل في الظلم فقد انعقد الإجماع على تحريمه ، مثل ان يكون صاحب سيف أو سوط عند الظالمين ، أو يكون يكتب لهم المظالم أو يبعثونه في تحصيلها ، إلى غير ذلك ، اما الذي لا مدخل له في الظلم كالخيّاط يخيط لهم ثيابهم والبنّاء يبني لهم المنازل ، أو النّجار أو الحدّاد ونحوهم فالمشهور بين الأصحاب هو عدم تحريمه ، وناقشهم فيه شيخنا البهائي طاب ثراه وذهب إلى تحريم معونة الظالمين مطلقا ، وهو الذي اخترناه في شرح الصحيفة ، ولنذكر هنا بعض من الدلائل . منها قوله تعالى وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ فالركون هو مطلق الميل سواء كان بالقلب أو اللسان أو الأعضاء والجوارح أو المعونة أو نحوها ، فإذا كان بالقلب كان فيه موادّة