السيد نعمة الله الجزائري

21

الأنوار النعمانية

والكبر والفخر ليسا من مساوىء الأخلاق بل من أشرف الصفات والحالات وهما من صفات الإكرام له سبحانه وتعالى ، ومما إختصا به فلا يجوز لأحد ان ينازعه في أخصّ صفاته . قال أبو جعفر عليه السّلام العزّ رداء اللّه والكبر إزاره فمن تناول شئا منه أكبّه اللّه في جهنّم ، وفي الحديث القدسي العزّ إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعنيهما ادخله ناري ولا أبالي ، فهما بالنسبة الينا صفات ذم لأنهما ثوبان مغصوبان قد لبسنا هما والثوب المغصوب يحرم استعماله في جميع الأحوال حتّى من انّ المراد المساواة في أصل العبودية ، ويجوز ان يكون هذا الحديث منزّلا على إرادة المؤمنين والمسلمين ، كما قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما ترك الأيمان لذي شرف شرفاء ، فإنهم كانوا يتكبرون ويفخرون في أعصار الجاهليّة حتى بلغ بهم الحال إلى أن الرجل العظيم منهم إذا كان له بنت انتظر بها حتى إذا بلغت مبالغ النساء زيّنها وحلّاها بأنواع الحليّ والحلل واخذها إلى المقابر وحفر لها أو دفنها فيه وهي في عالم الحياة ، وذلك لأنّه ليس لها كفوّ بزعمه حتّى يزوّجها منه ، فنفي سبحانه هذه المقالة عليهم بقوله وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ . وقد حكى عمر بن الخطاب فيما روي عنه انّه قال : أدركني الرقّة على ابنة لي في أعصار الجاهلية ، وذلك انّي أمرت بأن يحفر لها قبر لأدفنها فيه ، فلمّا أتيت بها إلى القبر ، كان الحفّار يخرج التراب من القبر فتناولت منه التراب ، فعلّق بعض التراب بلحيته ، فأخذت البنت تنفضه منها فرققت لها ، ثم دفنتها وهي حية ، فلمّا جاء الإسلام أبطل تلك الأمور وعطّلها ، حتّى انه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صعد المنبر يوما وذكر ما كانوا به يتفاخرون ويتكبرون فقال : انه موضوع تحت قدمي إلى يوم القيامة ، ولم ينزل من المنبر حتّى زوّج بنت صفية ابنة عبد المطلب من المقداد مع انّه كان افقر الناس حالا وأقلهم مالا ، وقد ساوى بينهم في أعزّ الأمور وأنفسها وهو أمر الدّماء ، فقال : صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المسلمين اخوة تتكافأ دمائهم ويسعى بذمتهم أدناهم ، فإذا كان دم السلطان والكنّاس على حدّ سواء يقتل هذا بهذا فانّي للسلطان والفخر والتكّبّر على الكنّاس . وامّا حطّ دية العبيد عن الأحرار فلكون الغالب فيهم النّشو والنماء على ملل الكفر وحالاتهم ، وأما نقصان المرأة عن الرجل فلنقصان عقلها ودينها ، اما العقل فهو انّ شهادة امرأتين شهادة رجل واحد ، وامّا الدين فهو انّ المرأة تمكث زمانا لا تصلي فيه ولا تصوم لمكان حيضها ، وأيضا فإن الإنسان إذا تفكر في مبادئ أحواله وأواخرها ذلّت عنده نفسه ولم يدخلها في ميدان الفخر والكبر ، ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السّلام : ابن آدم اني لك والفخر فانّ اولك جيفة وآخرك جيفة وفي الدنيا حامل الجيف ، ولينظر إلى أحوال هذه الجيف فانّها ليست كجيف الحيوانات ، اما الجيفة الأولى فهي المني فقد غلّظ الشارع نجاستها حتى فهم بعض الأصحاب من