السيد نعمة الله الجزائري
207
الأنوار النعمانية
الدرجة الثالثة ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ثقة ظاهرة كالذي يستقصي في التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه وذلك يخرج عن درجات التوكل كلها كما هو الغالب على النّاس ؛ فإذا ظهر أنّ الأسباب منقسمة إلى ما يخرج التعلق بها عن التوكل وإلى ما لا يخرج وإن الذي لا يخرج ينقسم إلى مقطوع به وإلى مظنون والمتوكلون في ملابسة هذه الأسباب على ثلاث مقامات ؛ الأول مقام الخواص وقد مثّله أهل السلوك بالذي يدور في البوادي بغير زاد ثقة بفضل اللّه تعالى عليه في تيسير ما يمسك حياته ولو كان من بقول الأرض وحشيشها ، المقام الثاني ان يقعد في بيته أو في مسجد ولكنه في القرى والأمصار فهذا أضعف من الأول ولكنه أيضا متوكّل لأنه تارك للكسب والأسباب الظاهرة معتمد على فضل اللّه تعالى في تدبير أموره . المقام الثالث أن يخرج ويكتسب إكتسابا رفيقا جميلا وهذا المقام هو الممدوح الوارد في الشريعة الذي أراده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من قوله إلا أن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب ولا يحملنّكم استبطاء شيء من الرزق على أن تطلبوه من الحرام فإنّ اله سبحانه قسّم الأرزاق بين عباده حلالا ولم يقسّمها حراما ، نعم من ترك الكسب إذا كان مستغرقا وقته في العلم أو العبادة كان له وجه في الجملة ، مع إنّ الواردة عن الأئمة الطاهرين عليهم السّلام أنّ التكسب للعيال والأخوان أفضل من العبادة ، نعم لا يكون اعتماده على الكسب وعلى آلاته بل على ذلك الكفيل . روي أنّ العبد ليهم من الليل بأمر من أمور التجارة مما لو فعله لكان فيه هلاكه فينظر اله إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه ، فيصبح كئيبا حزينا يتظنن بجاره وابن عمّه من شيّعني من دهاني وما هو إلا رحمة اللّه تعالى بها ؛ وهذا مجمل الكلام في هذا المقام واللّه المستعان خاتمة هذا البحث في الرزق ، إعلم أن الذي اتفق عليه أصحابنا رضوان اللّه عليهن والمعتزلة أنّ الرزق هو ما صحّ انتفاع الحيوان به بالتغذي أو غيره ؛ فليس لأحد منعه فالحرام على هذا ليس برزق ؛ وعند الأشاعرة كلما انتفع به حي سواء كان بالتغذي أو بغيره مباحا كان أو حراما وقال الأشاعرة في الإستدلال لو لم يكن الحرام رزقا لم لم يكن المغتذي به طول عمره مرزوقا ، وليس كذلك لقوله تعالى ، وما من دابّة في الأرض إلا على اللّه رزقها . والجواب عن هذا ظاهر وهو أن المغتذي في الدنيا لا يجوز أن يكون مغتذيا بالحرام طول عمره ، وذلك أن أيام الرضاع اللبن ليس بحرام عليه وفي كل أوقاته التنفس في الهوى ليس بمحرّم عليه أيضا مع أنّ الرزق على قسمين : منه ما كان غذاء للأبدان ومنه وهو الأكمل الأعظم ما كان غذاء للأرواح كالعلوم والكمالات وهذا هو الغذاء الباقي بعد فناء الأبدان وغذائها ، وبسببه