السيد نعمة الله الجزائري
203
الأنوار النعمانية
وللإنسان في هذا أحوال : الأولى وهو الأعلى ( أعلاها ) ان يقتصر على قدر دفع الجوع عند شدّة الجوع ودفع المرض فإذا استقلّ بما تناوله لم يدّخر من غذائه لعشائه ، الثانية أ ، يدّخر لشهر أو لأربعين يوما ، الثالثة أن يدّخر لسنة فقط ؛ وهذه رتبة ضعفاء الزهّاد ومن ادّخر لأكثر من ذلك لا يسمّونه زاهدا . وعن واحدة من زوجات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قالت كانت تأتي أربعون ليلة وما يوقد في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مصباح ولا نار ، قيل لها فبم كنتم تعيشون ؟ قالت بالأسودين التمر والماء ، وكان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يركب الحمار ويلبس الصوف ؛ وينتعل المخصوف ويلعق أصابعه ويأكل على الأرض ، ويقول إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبيد ، وقال عيسى عليه السّلام بحق أقول أنّه من طلب الفردوس وخبز الشعير له والنوم على المزابل مع الكلاب كثير ، وكان يقول يا بني إسرائيل عليكم بالماء القراح والبقل البري وخبز الشعير ، وإيّاكم وخبز البر فإنّكم لن تقوموا بشكره . ومنها الملبس وأقل درجاته ما يدفع الحر والعبد ويستر العورة وهو كساء يتغطى به وأوسطه قميص وقلنسوة ونعلان ، وأعلاه أن يكون معه منديل وسراويل ، وما جاوز هذا من حيث المقدار فهو عنهم متجاوز حد الزهد ، وشرطوا في الزاهد أن لا يكون له ثوب يلبسه إذا غسل ثوبه بل يلزمه القعود في البيت ، وقيل لسلمان الفارسي رحمه اللّه مالك لا تلبس الجيد من الثياب ؟ قال وما العبد والثوب الحسن فإذت أعتق فله واللّه ثياب لا تبلى أبدا . ومنها المسكن وله فيه ثلاث درجات أعلاها أن لا يطلب موضعا خاصا بل يقنع بزوايا المساجد ؛ وأوسطها أن يطلب موضعا خاصا مثل كوخ مبني من سعف أو من خص أو ما يشبهه ؛ وأدناها أن يطلب حجرة مبنية أمّا بشراء أو بأإحارة ، وقد اتخذ نوح عليه السّلام بيتا من قصب فقيل له لو بنيت ؟ فقال هذا لمن يموت كثير . ومنها أثاث البيت وللزهد فيه أيضا درجات وأعلاها حال عيسى عليه السّلام إذ كان لا يصحبه إلا مشط وكوز ؛ فرأى إنسانا يمشّط لحيته بأصابعه فرمى المشط ورأى آخر يشرب من النهر بكفيه ؛ فرمى الكوز ؛ وهذا حكم كل أثاث فإنذه إنّما يراد لمقصود فإذا استغنى عنه فهو وبال في الدنيا والآخرة ، وما لا يستغني عنه ينبغي أن يقتصر منه على أقل الدرجات وهو الخزف في كل ما يكفي فيه ولا يبالي في أن يكون مكسور الطرف وأوسطها أن يكون له أثاث بقدر الحاجة صحيح في نفسه ولكن يستعمل الآلة الواحدة في مقاصد ؛ وأدناه أن يكون له بعدد كل حاجة ( حالة ) آلة من الجنس الخسيس فإن تجاوز هذا القدر خرج عن أبواب الزهد .