السيد نعمة الله الجزائري

185

الأنوار النعمانية

بعض الكلمات المناسبة لهذا المقام في شرح تهذيب الحديث ولا بأس هنا بالإشارة إلى نبذة منه وهو يتم ببيان أمور : الأول في تحقيق معنى المرتد ؛ فنقول الذي قاله أصحابنا رضوان اللّه عليهم أنّ المرتد هو ما أنكر ما علم ثبوته من الدين صرورة أو إثبات ما علم نفيه كذلك ، أو يفعل ذلك صريحا كالسجود للصنم ونحوه ، وإلقاء المصحف في القاذورات ، وعلى هذا فالمرتد أكثر من غيره ، وذلك إنّه ما من يوم إلا وأكثر الناس يتهم اللّه قضاءه وعدله ؛ وغير ذلك مما يوجب الإرتداد ، نعم ربّما ظهر من بعض الأخبار أنّه يشترط في مثله العلم بكونه من ضروريات الدين ، وعلى هذا فلعل الجاهل معذور حتى يعرف ويلقي العالم إليه الحكم الشرعي لإمكان الجهل بالضروريات لكثير من النّاس ؛ خصوصا أهل القرى والصحارى ، ويؤيده قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم النّاس في سعة مما لم يعلموا فإذا عرفت هذا فنقول : أنّ الحر لمّا خرج من الكوفة ما كان قصده القتال مع الحسين عليه السّلام وإنّما أمره عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه بأن يأتي به إلى الكوفة ؛ وإمّا منعه له عن الرجوع إلى المدينة بعد أن طلب الحسين عليه السّلام أن يأذن له فيه فقد كان جاهلا بأنّ مثل هذا يخرج من الدين ويكون الرجل مرتدا به ، ومن ثمّ لما رجع إلى الحسين عليه السّلام وتاب حلف بأنّي ما كنت أعلم أنّ القوم يفعلون بك هذا ، وقد كان صادقا في يمينه ، وحينئذ فالذي صدر منه نوع من أنواع الكبائر فلما تاب منها قبل الحسين عليه السّلام توبته منها ، ويؤيده أنّ كثيرا من الشيعة ومن أقارب الأئمة عليهم السّلام كانوا يؤذون أئمتهم عليهم السّلام بأنواع الأذى مثل العبّاس أخو الرضا عليه السّلام ومثل أقارب مولانا الصادق عليه السّلام ؛ وقد كان جماعة منهم يسعون بقتلهم وإهانتهم عند خلفاء الجور ومع هذا كله إذا أراد أحد من الشيعة أن يذكرهم بسوء في مجالس الأئمة عليهم السّلام يغضبون عليهم السّلام ، ويبالغون في نفيه ؛ ويقولون إنّ هؤلاء أقاربنا دعونا معهم لا تتعرضوا لهم بسوء من كلام خبيث وغيره ؛ فالذي صدر من الحر على تقدير العلم منه مثل الذي صدر من هؤلاء مع أنّ الأئمة عليهم السّلام قبلوا حالهم قبل التوبة فكيف لو تابوا . الثاني أنّ المراد من الدين المأخوذ في التعريف إنّما هو دين الإسلام على ما صرّحوا به لا دين الشيعة فقط ؛ وذلك أنّه لو كان المراد بالمرتد من أنكر ما علم ثبوته من دين الشيعة ضرورة لكان مخالفونا كلهم مرتدين في هذه الدنيا ، لأنّ كون علي بن أبي طالب عليه السّلام هو الخليفة الأول بالنّص والاستحقاق ممّا ثبت من دين الشيعة ضرورة ، فكان يجب أن يحكم على كافة أهل الخلاف بالارتداد والمصرح به من علمائنا بخلافه في هذه الدنيا ، أمّا في الآخرة فعذابهم أشد من المرتد وغيره ، وحينئذ منع الحسين عليه السّلام عن الرجوع إلى المدينة وإن كان حراما إلا أنّه ليس