السيد نعمة الله الجزائري
176
الأنوار النعمانية
القتلى ، فو اللّه هذه الليلة لا بدّ من المساهرة في هذه الأرض لأبصر هذا الأسد يأكل من هذه الجثث أم لا ، فلما صار غروب الشمس وإذا به اقبل فخفته فإذا هو هائل المنظر ، فارتعبت منه وهممت ان انهزم عنه فثبطت نفسي وراجعتها وهو يتخطى القتلى حتى وقف على جسد كأنّه الشمس إذا طلعت تحت الغمام ، فبرك عليه ، فقلت يأكل منه وإذا به يمرغ وجهه على ذلك الجسد وهو يهمهم ويدمدم ودموعه تجري على خديه ، فقلت اللّه أكبر ما هذه الأعجوبة فجعلت احرسه حتى اعترك الظلام وإذا الشموع معلقة فملأت الأرض فزادني عجبا ، إذا أنا اسمع بكاء ونحيبا ساعة ، وإذا بلطم مفجع لكن لم أر أشخاصا فقصدت تلك الأصوات فخيل لي انّي وقعت عليها فأصغيت سمعي زمانا ، فإذا هو تحت الأرض وفهمت من ناع فيهم يقول وا حسيناه واماماه فاقشعر جلدي وطار لبي ، فقربت من الباكي وأقسمت عليه باللّه وبرسوله من تكون ؟ فقال انا نساء من الجن ، فقلت وما شأنكن ؟ فقالت في كل يوم وليلة هذا عزاؤنا على الحسين العطشان المجدل على الزملاء ، فقلت هذا الحسين الذي عنده الأسد ، فقالت نعم ، قالت أنت تعرف هذا الأسد ؟ قلت لا ، قالت هذا أبوه علي بن أبي طالب فهممت ان ارجع ودموعي تجري على خديّ حزنا عليه ، وإذا برجال لم أر أطول منهم ذو أسلحة كثيرة ، فكاد فؤادي ان يطير ، وإذا بهم قائل يقول فارجع فرجعت خائفا ، وقيل هذا الرجل هو الذي دفن الحسين عليه السّلام . وروينا عن علي بن الحسين عليهما السّلام قال لما وفدنا على يزيد بن معاوية لعنهما اللّه تعالى أتوا بحبال وربطونا مثل الأغنام ؛ وكان الحبل بعنقي وعنق أم كلثوم وبكتف زينب وسكينة والبنات تساق كلما قصرن عن المشي ضربنا ( بن ) حتى أوقفونا بين يدي يزيد ، فتقدمت إليه وهو على سرير مملكته ، وقلت له ما ظنك برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لو يرانا على هذه الصفة ؟ فبكى وبكى كل من كان حاضرا في مجلسه فأمر بالحبال فقطعت من أعناقنا وأكتافنا وروي عن المنهال بن عمر قال بينما أتمشى في السوق من دمشق وإذا أنا بعلي بن الحسين عليه السّلام يتوكأ على عصا ورجلاه كأنهما قصبتان والدم يسيل من ساقيه ، والصفرة قد أزدادت من عليه فخنقتني العبرة فأعترضته وقلت كيف أصبحت يا ابن رسول اللّه ؟ قال فبكى وقال كيف حال من أصبح أسيرا ليزيد بن معاوية ، ونسائي إلى الآن ما شبعن بطهور لهن ولا كسين رؤسهن نائحات الليل والنهار ونحن يا منهال كمثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبحون أبنائهم ويستحيون نسائهم ؛ أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمدا عربيّ ؛ وأمست قريش تفتخر على العرب بأن محمدا منهم ، وأمسينا معشر أهل البيت مغصوبين مقتلين مشردين ؛ ما يدعونا إليه مرة إلا نظن القتل إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، قلت سيدي وإلى أين تريد ؟ قال المحبس الذي نحن فيه ليس له سقف والشمس تصهرنا به ولا نرى الهوى فأفر منه لضعف بدني سويعة ، وأرجع خشية على النساء